تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على ما أرى بل كل ساع لقاعد

أضاعوا نفوسا بالرماح ضياعها

يعز على الباغين منا النواشد

أألله ما تنفك في صفحاتها

خموش لكلب من أمية عاقد

لئن رقد النصار عما أصابنا

فما الله عما نيل منا براقد

لقد علقوها بالنبي خصومة

إلى الله تغني عن يمين وشاهد

وهو في هذا المعنى يكرر ما قاله من قبل.

ولم يرضه أن يقف عند هجاء بني أمية، فغمز بني العباس بهذه الأبيات:

ويا رب أدنى من أمية لحمة

رمونا على الشنآن رمي الجلامد

طبعنا لهم سيفا فكنا لحده

ضرائب عن أيمانهم والسواعد

ألا ليس فعل الأولين وإن علا

على قبح فعل الآخرين بزائد (8)

بقيت المقصورة وهي ضعيفة بالقياس إلى هذه القصائد، وقد وصف بها الشاعر مصرع الحسين، وما لقي نساؤه من فزع وهول، واستثار إشفاق الرسول للسبط الشهيد، وتوجع لأهل البيت، وعجب كيف أمهل الله الظالمين فلم تنقلب بهم الأرض ولم ترجمهم السماء.

وخلاصة القول أن نكبة الحسين كانت ميدانا لقرائح القصاص والكتاب والشعراء، ومن آثارها هذه القصائد الخمس. والفتنة والقتل من أسباب البعث في الآداب والفنون.

الفصل السابع

| قصائد مهيار في أهل البيت

(1)

لمهيار في أهل البيت عشر قصائد طوال، وجو تلك القصائد يشعر بأن معاصريه كانوا يستكثرون عليه أن يمعن في مدح آل الرسول، كأن العصبية لأهل البيت كانت تعتمد على الجنسية العربية، فإنا نراه يقول:

أنا العبد والاكم عقده

إذا القول بالقلب لم يعقد

وفيه ودادي وديني معا

وإن كان في «فارس» مولدي

خصمت ضلالي بكم فاهتديت

ولولاكم لم أكن أهتدي

وعبارة «وإن كان في فارس مولدي» تعين أن تشيع الفرس كان يقابل في بعض البيئات بشيء من الاستغراب، ويؤيد هذا ما جاء في التمهيد ليائيته في رثاء أهل البيت؛ إذ يقول جامع الديوان:

وقال يرثي أهل البيت، وبلغه أن بعض حاسديه يستكثر مدحه إياهم، ويدعي عليه أنه بما يظهر من المخالفة في الأصول لا يجوز أن يخلص في مدحهم ويذكر ذلك في آخر القصيدة.

ومعنى هذا الكلام أن مهيارا كان يتعصب للفرس، والتعصب للفرس ينافي التشيع لأهل البيت، ويكاد يكون من المعقول ألا يجتمع تشيع وشعوبية، ويوضح هذا قول مهيار في اليائية:

هذا لهم والقوم لا قومي هم

جنسا وعقر ديارهم لا داريا

إلا المحبة فالكريم بطبعه

يجد الكرام الأبعدين أدانيا

وقوله في خطاب علي بن أبي طالب:

وبرغمهم لأسيرنها شردا

ولأتبعن منها بديئا تاليا

غرا أقد من الجمال معانيا

فيها وألتقط النجوم قوافيا

شكرا لصنعك عند «فارس» أسرتي

وبما سلمت تفاؤلا وأياديا

وتعصبا ومودة لك صيرا

في حبك الشيعي من إخوانيا

وهذا نص في أن التشيع كان يوجب لذلك العهد وحدة العصبية العربية، وإن كان من العسير أن نجزم بأن الحال كان كذلك في جميع البيئات الإسلامية، فقد صارت فارس بعد ذلك من المعاقل الشيعية. (2)

كان مهيار يعنى بمدح آل البيت، وكانت تقترح عليه القصائد في مدحهم، فقد حدثنا جامع الديوان أنه أنشد قصيدة في مراثي أهل البيت من مرذول الشعر، وسئل أن يعمل أبياتا في وزنها وقافيتها.

1

وأنه سئل عمل أبيات في مراثي أهل البيت عليهم السلام على هذا الوزن والروي، وهما مما تقل مساعدة الكلام المختار على مثله، ولم يجد لإجابة الملتمس لذلك بدا - على ما فيه من اللين والانحطاط - فقال ارتجالا على جهة الإملاء، ومقتضى إجابة السائل.

2

وهذا وذلك يدلان على أمرين؛ الأول: أن الشعر في أهل البيت كان يطلب، والثاني: أن مهيارا كان معروفا بحب أهل البيت.

ولا يفوتنا من الوجهة الفنية أن نشير إلى تنبه مهيار إلى خطر الوزن والقافية في التعبير عن مختلف الأغراض؛ وهذا ملحظ سبقه إليه أبو الفضل بن العميد، فقد حدث الصاحب بن عباد أنه كان «يتجاوز نقد الأبيات إلى نقد الحروف والكلمات، ولا يرضى بتهذيب المعنى حتى يطالب بتخير القافية والوزن» وأنه سمعه يقول: «إن أكثر الشعراء ليس يدرون كيف يجب أن يوضع الشعر، ويبتدأ النسج؛ لأن حق الشاعر أن يتأمل الغرض الذي قصده والمعنى الذي اعتمده، وينظر في أي الأوزان يكون أحسن استمرارا، ومع أي القوافي يحصل أجمل اطراد، فيركب مركبا لا يخشى انقطاعه، والتياثه عليه.»

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٣٨