تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شغل الدموع عن الديار بكاؤنا

لبكاء فاطمة على أولادها

أترى درت أن الحسين طريدة

لقنا بني الطرداء عند ولادها

كانت مآتم بالعراق تعدها

أموية بالشام من أعيادها

ما راقبت غضب النبي وقد غدا

زرع النبي مظنة لحصادها

باعت بصائر دينها بضلالها

وشرت معاطب غيها برشادها

جعلت رسول الله من خصمائها

فلبئس ما ذخرت ليوم معادها

نسل النبي على صعاب مطيها

ودم النبي على رءوس صعادها

وهو في هذه القطعة يعيد ما قال من قبل، فيذكر أن بني أمية لم يراقبوا غضب الرسول، فجعلوا زرعه من بعض ما يحصدون، ويذكر أن النبي سيكون خصمهم يوم المعاد، وبئس ما يذخرون!

ثم أخذ في هجاء بني أمية ومدح العلويين، فقال:

إن الخلافة أصبحت مزوية

عن شعبها ببياضها وسوادها

طمست منابرها علوج أمية

تنزو ذئابهم على أعوادها

هي صفوة الله التي أوحى لها

وقضى أوامره إلى أمجادها

أخذت بأطراف الفخار فعاذر

أن يصبح الثقلان من حسادها

الزهد والأحلام في فتاكها

والفتك لولا الله في زهادها

عصب يقمط بالنجاد وليدها

ومهود صبيتها ظهور جيادها

تروي مناقب فضلها أعداؤها

أبدا وتسنده إلى أضدادها

يا غيرة الله اغضبي لنبيه

وتزحزحي بالبيض عن أغمادها

من عصبة ضاعت دماء محمد

وبنيه بين يزيدها وزيادها

صفدات مال الله ملء أكفها

وأكف آل الله في أصفادها

ضربوا بسيف محمد أبناءه

ضرب الغرائب عدن بعد ذيادها

وللقارئ أن يتنسم روح الفتوة في هذا الشعر البليغ، وأن يتأمل كيف يكون النجاد قماط الوليد، وكيف تكون ظهور الجياد مهاد الأطفال، وأن يعجب بقوة العزم في هذا البيت:

الزهد والأحلام في فتاكها

والفتك لولا الله في زهادها

ثم لذعته الذكرى فدمدم بهذه الأبيات وقد عاوده خيال «الطف» و«عاشوراء»:

قف بي ولو لوث الإزار، فإنما

هي مهجة علق الجوى بفؤادها

بالطف حيث غدا مراق دمائها

ومناخ أينقها ليوم جلادها

القفر من أرواقها والطير من

طراقها والوحش من عوادها

تجري لها حبب الدموع وإنما

حب القلوب يكن من أمدادها

يا يوم عاشوراء كم لك لوعة

تترقص الأحشاء من إيقادها

ما عدت إلا عاد قلبي غلة

حرى ولو بالغت في إبرادها

مثل السليم مضيضة آناؤه

خزر العيون تعوده بعدادها

ثم قال يخاطبه بمثل ما خاطبه به في الرائية:

يا جد لا زالت كتائب حسرة

تغشى الضمير بكرها وطرادها

أبدا عليك وأدمع مسفوحة

إن لم يراوحها البكاء يغادها

هذا الثناء وما بلغت وإنما

هي حلبة خلعوا عذار جوادها

أأقول جادكم الربيع وأنتمو

في كل منزلة ربيع بلادها

أم أستزيد لكم علا بمدائحي

أين الجبال من الربا ووهادها (7)

والدالية الثانية ابتدأها الشاعر أيضا بالنسيب، وتلك سنة قديمة لم تخل منها قصائد الرثاء، والنسيب في أمثال هذه القصائد يخلو من النزق والطيش، ويقف فيه الشاعر عند حدود الشكوى والحنين، كأن يقول عن شاك قليل العواد:

يراعي نجوم الليل والهم كلما

مضى صادر عني بآخر وارد

توزع بين النجم والدمع طرفه

بمطروفة إنسانها غير راقد

وما يطبيها الغمض إلا لأنه

طريق إلى طيف الخيال المعاود

ذكرتكمو ذكر الصبا بعد عهده

قضى وطرا مني وليس بعائد

إذا جانبوني جانبا من وصالهم

علقت بأطراف المنى والمواعد

فيا نظرة لا تنظر العين أختها

إلى الدار من رمل اللوى المتقاود

هي الدار لا شوقي القديم بناقص

إليها ولا دمعي عليها بجامد

ولي كبد مقروحة لو أضاعها

من السقم غيري ما بغاها بناشد

أما فارق الأحباب قبلي مفارق

ولا شيع الأظعان مثلي بواجد

ثم تخلص إلى ذكرى الحسين، فقال:

تأوبني داء من الهم لم يزل

بقلبي حتى عادني منه عائدي

تذكرت يوم السبط من آل هاشم

وما يومنا من آل حرب بواحد

وتوجع لموت الحسين ظمآن كما فعل في القصائد الماضية، فقال:

وظام يريغ الماء قد حيل دونه

سقوه ذبابات الرقاق البوارد

أتاحوا له مر الموارد بالقنا

على ما أباحوا من عذاب الموارد

وقال يصف انتقال ميراثهم إلى بني أمية:

ويا رب ساع في الليالي لقاعد

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٣٧