10
ربما وافق الفتى من زمان
فرح غيره به متبول
هي دنيا إن واصلت ذا جفت ه
ذا ملالا كأنها عطبول
11
كل باك يبكى عليه وإن طا
ل بقاء والثاكل المثكول
والأماني حسرة وعناء
للذي ظن أنها تعليل
وفي هذه القطعة يتكلم الشريف كلام الحكيم المحزون، والحكمة أحيانا يخلقها الحزن البليغ، والقارئ يعجب من وفرة الخيال في هذه الأبيات: فنعيم الدنيا غيم ألفته ريح الجنوب، ثم مزقته ريح القبول، والناس يستريحون حينا ليواجهوا بعد الراحة تعب الموت، كما تستجم الخيول لأيام الطعان، وغاية الناس الفناء كما أن غاية الغصون الذبول، والليالي عون على المرء مع البين، فكأنها الطول في الرماح الذوابل، والدنيا كالحسناء الغادرة تواصل هذا وتجفو ذاك، وكل باك سيبكى عليه وإن طال البقاء، وكل ثاكل سيصبح يوما وهو مثكول، والأماني حسرة وعناء لمن يحسب لجهله أنها لهو وتعليل.
ثم أخذ في خطاب الحسين ورمى قاتليه بنقض عهد الرسول:
يا ابن بنت الرسول ضيعت العه
د رجال والحافظون قليل
ما أطاعوا النبي فيك وقد ما
لت بأرماحهم إليك الذحول
12
وأحالوا على المقادير في حر
بك لو أن عذرهم مقبول
واستقالوا من بعد ما أجلبوا في
ها أألآن أيها المستقيل؟!
إن أمرا قنعت من دونه السي
ف لمن حازه لمرعى وبيل
يا حساما فلت مضاربه الها
م وقد فله الحسام الصقيل
يا جوادا أدمى الجواد من الطع
ن وولى ونحره مبلول
أتراني أعير وجهي صونا
وعلى وجهه تجول الخيول
أتراني ألذ ماء ولما
يرو من مهجة الإمام الغليل
وفي هذه الأبيات إثارة لأكرم العواطف الدينية، فالشاعر يذكر أن قاتلي الحسين ضيعوا العهد، وخفروا ذمة النبي، ولم يقاتلوا الحسين في سبيل الحق، وإنما قاتلوه في سبيل الذحول، وليتأمل القارئ دقة هذا البيت:
إن أمرا قنعت من دونه السي
ف لمن حازه لمرعى وبيل
يريد أن الدنيا التي لا تصفو لأصحابها إلا بقتل الحسين دنيا كدرة لن يكون لها صفاء.
ثم شرع يصف مصرع الحسين، وفزع نسائه يوم ذلك الهول، فقال:
قبلته الرماح وانتضلت في
ه المنايا وعانقته النصول
13
والسبايا على النجائب تستا
ق وقد نالت الجيوب الذيول
من قلوب يدمى بها ناظر الوج
د ومن أدمع مراها الهمول
قد سلبن القناع عن كل وجه
فيه للصون من قناع بديل
وتنقبن بالأنامل والدم
ع على كل ذي نقاب دليل
وتشاكين والشكاة بكاء
وتنادين والنداء عويل
وللقارئ أن يتأمل البيت الثالث من هذه الأبيات فهو يذكر أن القلوب لها نواظر هي نواظر الوجد، وفي البيت الرابع يذكر أن الصون بديل من القناع في أوجه من سلبن القناع من نساء الحسين، والتنقب بالأنامل من صور الهول، وكذلك التشاكي بالبكاء، والتنادي بالعويل.
ولينظر القارئ رقة المناجاة في هذه الأبيات:
يا غريب الديار صبري غريب
وقتيل الأعداء نومي قتيل
بي نزاع يطغى إليك وشوق
وغرام وزفرة وعويل
ليت أني ضجيع قبرك أو أن
ثراه بمدمعي مطلول
وعاد إلى المناداة بطلب الثأر، فقال:
يا بني أحمد إليكم سناني
غائب عن طعانه ممطول
وجيادي مربوطة والمطايا
ومقامي يروع عنه الدخيل
كم إلى كم تعلو الطغام وكم يح
كم في كل فاضل مفضول؟
قد أذاع الغليل قلبي ولكن
غير بدع أن استطب العليل
ليت أني أبقى فأمترق النا
س وفي الكف صارم مسلول
وأجر القنا لثارات يوم الط
ف يستلحق الرعيل الرعيل
والثأر الذي يدعو إليه في هذه الأبيات لا يقف عند بني أمية، ولكنه يجتاح بني العباس، ألا ترونه يقول:
كم إلى كم تعلو الطغام وكم يح
كم في كل فاضل مفضول؟
وكانت للرضي وثبات نفسية تسمو به إلى المطالبة بعرش الخلافة الإسلامية، وكان دم الحسين من الوسائل إلى ذلك الإرث المضاع.
وقد ختم الشريف لاميته هذه بأبيات في الفخر أضاعت روعة البكاء، وإن كنا نستجيد منها هذا البيت:
أترك الشيء عاذري فيه كل الن
اس من أجل أن لحاني عذول؟! (6)
أما الدالية فقد افتتحها بخمسة عشر بيتا في النسيب، ثم تخلص إلى بكاء الحسين، فقال: