يا ابن عبد العزيز لو بكت العي
ن فتى من أمية لبكيتك
غير أني أقول إنك قد طب
ت وإن لم يطب ولم يزك بيتك
أنت نزهتنا عن السب والقذ
ف فلو أمكن الجزاء جزيتك
ولو اني رأيت قبرك لاستح
ييت من أن أرى وما حييتك
وقليل أن لو بذلت دماء ال
بدن حزنا على الذرى وسقيتك
دير سمعان لا أغبك غاد
خير ميت من آل مروان ميتك
أنت بالذكر بين عيني وقلبي
إن تدانيت منك أو قد نأيتك
وإذا حرك الحشا خاطر من
ك توهمت أنني قد رأيتك
وعجيب أني قليت بني مر
وان طرا وأنني ما قليتك
قرب العدل منك لما نأى الجو
ر بهم فاجتويتهم واجتبيتك
فلو اني ملكت دفعا لما نا
بك من طارق الردى لفديتك (3)
ولم يظهر توجع الشريف على أهل البيت ظهورا قويا إلا في قصائده التي بكى بها الحسين، وقد جمعت بين حرارة العصبية وصدق الوفاء.
وللشريف الرضي في بكاء الحسين خمس قصائد طوال، الأولى رائية قالها في سنة 377ه، والثانية لامية قالها سنة 387ه، والثالثة دالية قالها سنة 390ه، والرابعة دالية أيضا قالها سنة 390ه، والخامسة مقصورة لم يذكر لها تاريخ. (4)
بدأ الشاعر قصيدته الرائية بأبيات في وصف ما يغمره من الحزن والقلق، ثم اندفع يذكر ما يساوره لذكرى عاشوراء، فقال:
ورب قائلة والهم يتحفني
بناظر من نطاف الدمع ممطور
خفض عليك فللأحزان آونة
وما المقيم على حزن بمعذور
فقلت هيهات فات السمع لائمه
لا يفهم الحزن إلا يوم عاشور
يوم حدا الظعن فيه بابن فاطمة
سنان مطرد الكعبين مطرور
6
وخر للموت لا كف تقلبه
إلا بوطء من الجرد المحاضير
7
ظمآن سلى نجيع الطعن غلته
عن بارد من عباب الماء مقرور
8
وفي هذه الأبيات يسمي الحسين «ابن فاطمة» لتكون الذكرى أوجع، ويذكر أنه مات ظمآن لم يسله عن الماء إلا الدم النجيع، وسنرى كيف يحرص الشاعر في سائر قصائده على هذه الذكرى الأليمة، وهي موت الحسين وهو ظمآن.
ثم قال في التوجع لمصرع ذلك السبط النبيل:
كأن بيض المواضي وهي تنهبه
نار تحكم في جسم من النور
لله ملقى على الرمضاء عض به
فم الردى بين إقدام وتشمير
تحنو عليه الربا ظلا وتستره
عن النواظر أذيال الأعاصير
تهابه الوحش أن تدنو لمصرعه
وقد أقام ثلاثا غير مقبور
وهو يصفه بالكرامة في الممات، فيذكر أن الربا أظلته، وأن أذيال الأعاصير سترته عن العيون، وأن الوحش هابه فلم ينهش لحمه، مع أنه أقام ثلاث ليال غير مقبور.
ثم قال يذم بني أمية، ويهدد بالثأر لأهل البيت:
بني أمية ما الأسياف نائمة
عن شاهر في أقاصي الأرض موتور
والبارقات تلوى في مغامدها
والسابقات تمطى في المضامير
إني لأرقب يوما لا خفاء له
عريان يقلق منه كل مغرور
وللصوارم ما شاءت مضاربها
من الرقاب شراب غير منزور
أكل يوم لآل المصطفى قمر
يهوي بوقع العوالي والمباتير
وكل يوم لهم بيضاء صافية
يشوبها الدهر من رنق وتكدير
مغوار قوم يروع الموت من يده
أمسى وأصبح نهبا للمقادير
وأبيض الوجه مشهور تغطرفه
مضى بيوم من الأيام مشهور
ما لي تعجبت من همي ونفرته
والحزن جرح بقلبي غير مسبور
ومهاجمة بني أمية لا موجب لها في هذا الموطن؛ لأن دولتهم كانت دالت، وإنما يهدد خلفاء بني العباس.
ثم قال يخاطب الحسين:
يا جد، لا زال لي هم يحرضني
على الدموع ووجد غير مقهور
والدمع تحفزه عين مؤرقة
حفز الحنية عن نزع وتوتير
9
إن السلو لمحظور على كبدي
وما السلو على قلب بمحظور (5)
وفي قصيدته اللامية يبدأ فيتحدث عن الدنيا وفتكها بالناس فيقول:
راحل أنت والليالي نزول
ومضر بك البقاء الطويل
لا شجاع يبقى فيعتنق البي
ض ولا آمل ولا مأمول
غاية الناس في الزمان فناء
وكذا غاية الغصون الذبول
إنما المرء للمنية مخبو
ء وللطعن تستجم الخيول
من مقيل بين الضلوع إلى طو
ل عناء وفي التراب مقيل
فهو كالغيم ألفته جنوب
يوم دجن ومزقته قبول
عادة للزمان في كل يوم
يتناءى خل وتبكى طلول
فالليالي عون عليك مع البي
ن كما ساعد الذوابل طول