فاقشعر بدني من ذلك ونالني أمر عظيم، فقال لي : لا ترع عافاك الله! فإني رجل من إخوانك من الجن من ساكني اليمن، طرأ إلينا طارئ من أهل العراق فأنشدنا قصيدتك:
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
فأحببت أن أسمعها منك.
قال دعبل: فأنشدته إياها، فبكى حتى خر، ثم قال: رحمك الله! ألا أحدثك بحديث يزيد في نيتك، ويعينك على التمسك بمذهبك؟ قلت: بلى! قال: مكثت حينا أسمع بذكر جعفر بن محمد عليه السلام، فصرت إلى المدينة فسمعته يقول: حدثني أبي عن أبيه عن جده أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال: «علي وشيعته هم الفائزون.»
قال دعبل: ثم ودعني لينصرف، فقلت له: يرحمك الله! إن رأيت أن تخبرني باسمك فافعل. فقال: أنا ظبيان بن عامر.
11
والحكاية في ذاتها طريفة، وهي تمثل سذاجة الناس من أنصار أهل البيت لذلك العهد.
والجن من أهل اليمن كانوا بعيدين عن مقر الدعوات الإسلامية، فتفضل الرواة ونقلوهم تارة إلى المدينة، وتارة إلى العراق، ولهم في كتب الأدب أخبار لا تخلو من طرافة وظرف. (7)
ننتقل بعد ذلك إلى مواجهة تلك التائية، ولنذكر أن ياقوتا أثبت منها 45 بيتا، وأنه أخبرنا أن نسخها مختلفة، وأن في بعضها زيادات يظن أنها مصنوعة ألحقها بها أناس من الشيعة، وتلك الخمسة والأربعون بيتا هي ما صح من القصيدة في نظر ياقوت.
12
وأهمية هذه القصيدة ترجع إلى ما فيها من التحزن والتفجع، وهي لذلك من خير ما قيل في الانتصار لأهل البيت، وفيها فوق ذلك تصريح عن عقيدة الشيعة في الإمام المنتظر الذي يؤمن دعبل بأنه خارج لا محالة، وأنه يقوم على اسم الله والبركات. ولنترك الشاعر يحدثنا عما كان يضطرب في صدره من آلام وآمال:
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى
وبالركن والتعريف والجمرات
ديار علي والحسين وجعفر
وحمزة والسجاد ذي الثفنات
ديار عفاها كل جون مبادر
ولم تعف للأيام والسنوات
قفا نسأل الدار التي خف أهلها
متى عهدها بالصوم والصلوات
وأين الألى شطت بهم غربة النوى
أفانين في الآفاق مفترقات
هم أهل ميراث النبي إذا اعتزوا
وهم خير قادات وخير حماة
وما الناس إلا حاسد ومكذب
ومضطغن ذو إحنة وترات
إذا ذكروا قتلى ببدر وخيبر
ويوم حنين أسبلوا العبرات
قبور بكوفان وأخرى بطيبة
وأخرى بفخ نالها صلواتي
وقبر ببغداد لنفس زكية
تضمنها الرحمن في الغرفات
فأما المصمات التي لست بالغا
مبالغها مني بكنه صفات
إلى الحشر حتى يبعث الله قائما
يفرج منها الهم والكربات
نفوس لدى النهرين من أرض كربلا
معرسهم فيها بشط فرات
تقسمهم ريب الزمان كما ترى
لهم عفرة مغشية الحجرات
سوى أن منهم بالمدينة عصبة
مدى الدهر أنضاء من الأزمات
قليلة زوار سوى أن زورا
من الضبع والعقبان والرخمات
لهم كل حين نومة بمضاجع
لهم في نواحي الأرض مختلفات
وقد كان منهم بالحجاز وأهلها
مغاوير يختارون في السروات
تنكب لأواء السنين جوارهم
فلا تصطليهم جمرة الجمرات
إذا وردوا خيلا تشمس بالقنا
مساعر جمر الموت والغمرات
وإن فخروا يوما أتوا بمحمد
وجبريل والفرقان ذي السورات •••
ملامك في أهل النبي فإنهم
أحباي ما عاشوا وأهل ثقاتي
تخيرتهم رشدا لأمري فإنهم
على كل حال خيرة الخيرات
فيا رب زدني من يقيني بصيرة
وزد حبهم يا رب في حسناتي
بنفسي أنتم من كهول وفتية
لفك عناة أو لحمل ديات
أحب قصي الرحم من أجل حبكم
وأهجر فيكم أسرتي وبناتي
وأكتم حبيكم مخافة كاشح
عنيد لأهل الخير غير موات
لقد حفت الأيام حولي بشرها
وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي
ألم تر أني من ثلاثين حجة
أروح وأغدو دائم الحسرات
أرى فيئهم في غيرهم متقسما
وأيديهم من فيئهم صفرات
فآل رسول الله نحف جسومهم
وآل زياد حفل القصرات
بنات زياد في القصور مصونة
وآل رسول الله في الفلوات
إذا وتروا مدوا إلى واتريهم
أكفا عن الأوتار منقبضات •••