تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكنه ما كاد يسمع بموت الرشيد حتى كافأه على ما صنع به من الغنى بعد الفقر والنباهة بعد الخمول أقبح مكافأة، وقال فيه من قصيدة مدح بها أهل البيت وهجا الرشيد:

وليس حي من الأحياء نعلمه

من ذي يمان ومن بكر ومن مضر

إلا وهم شركاء في دمائهم

كما تشارك أيسار على جزر

قتل وأسر وتحريق ومنهبة

فعل الغزاة بأرض الروم والخزر

أرى أمية معذورين إن قتلوا

ولا أرى لبني العباس من عذر

اربع بطوس على القبر الزكي إذا

ما كنت تربع من دين على وطر

قبران في طوس خير الناس كلهم

وقبر شرهم هذا من العبر

ما ينفع الرجس من قرب الزكي ولا

على الزكي بقرب الرجس من ضرر

هيهات كل امرئ رهن بما كسبت

له يداه فخذ ما شئت أو فذر

وهو يعني قبر الرشيد، وقبر علي الرضا، وكان يعرف ما سيلقى من أبناء الرشيد.

9

فهذه الجرأة هي سمة التصوف في الحب، وأخذ هذا الشاعر لعطايا الرشيد وذمه بعد ذلك لون من الانحراف، ولكنه دليل على أن هوى الشاعر كان كله موجها إلى أهل البيت، ولولا ذلك الهوى لاستطاع أن ينعم بدنيا المأمون. والتصوف في ذاته خبال في المقاصد الدنيوية، ولكن جماله يرجع إلى الشجاعة في احتقار ما في الدنيا من لذة ومتاع، وهل هناك شجاعة أقوى من أن يخرج المرء على الغالبين ليناصر المغلوبين؟ وهل هناك زهد أبلغ من ترك دعبل طيبات الحياة في قصور الخلفاء ليدور في الدنيا كما يدور الصعاليك؟ (5)

لقد كان لدعبل مدائح كثيرة في أهل البيت، ولكنها ضاعت ولم يبق إلا القليل، ومن جيد ما بقي قوله في رثاء الحسين:

رأس ابن بنت محمد ووصيه

يا للرجال على قناة ترفع

والمسلمون بمنظر وبمسمع

لا جازع من ذا ولا متخشع

أيقظت أجفانا وكنت لها كرى

وأنمت عينا لم تكن بك تهجع

كحلت بمنظرك العيون عماية

وأصم نعيك كل أذن تسمع

ما روضة إلا تمنت أنها

لك مضجع ولخط قبرك موضع (6)

وأشهر قصائده وأبقاها على الزمان وأجدرها بالخلود هي التائية ذات المطلع المفجع:

مدارس آيات خلت من تلاوة

ومنزل وحي مقفر العرصات

وقد كان لهذه القصيدة صدى في أكثر العصور الأدبية عند العرب، ويكفي أن نعرف أن ياقوتا حين ترجم لابن لنكك البصري ذكر من أخباره أنه كان يروي قصيدة دعبل التي مطلعها:

مدارس آيات خلت من تلاوة ... ... ... ...

كأن رواية تلك القصيدة من مناقب الرجال.

وكان المأمون لإعجابه ببراعة دعبل في تلك التائية يتمنى أن يسمعها من الشاعر نفسه، فتلطف لإحضار دعبل، فلما دخل وسلم عليه تبسم في وجهه، ثم قال أنشدني:

مدارس آيات خلت من تلاوة

ومنزل وحي مقفر العرصات

فجزع دعبل، فقال له المأمون: لك الأمان فلا تخف! وقد رويتها ولكني أحب سماعها من فيك، فأنشده إياها إلى آخرها، والمأمون يبكي حتى أخضل لحيته بدمعه.

وكان أهل البيت يطربون لتلك القصيدة ويرون فيها العزاء عما أصابهم من الفواجع، وقد حدث دعبل قال: دخلت على علي بن موسى الرضا عليهما السلام فقال لي: أنشدني شيئا مما أحدثت، فأنشدته:

مدارس آيات خلت من تلاوة

ومنزل وحي مقفر العرصات

حتى انتهيت إلى قولي:

إذا وتروا مدوا إلى واتريهم

أكفا عن الأوتار منقبضات

فبكى حتى أغمي عليه، وأومأ إلي خادم كان على رأسه أن اسكت، فسكت ساعة ثم قال لي: أعد، فأعدت حتى انتهيت إلى هذا البيت أيضا، فأصابه مثل الذي أصابه في المرة الأولى، وأومأ الخادم إلي أن اسكت ... فمكث ساعة أخرى، ثم قال لي أعد، فأعدت حتى انتهيت إلى آخرها، فقال لي: أحسنت ثلاث مرات، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم مما ضرب باسمه، ولم تكن وقعت إلى أحد بعد، فقدمت العراق فبعت كل درهم منها بعشرة آلاف درهم اشتراها مني الشيعة، فحصل لي مائة ألف درهم.

10

وقد فتن دعبل نفسه بهذه التائية فتنة شديدة، ومضى يحدث الناس بأن أخبارها طارت إلى الجن، وأن أحدهم هبط إليه ليسمعها منه، فلنسمع كلام دعبل في هذا الخيال الطريف، قال: لما هربت من الخليفة بت ليلة بنيسابور وحدي، وعزمت على أن أعمل قصيدة في عبد الله بن طاهر في تلك الليلة، فإني لفي ذلك إذ سمعت والباب مردود علي: «السلام عليكم ورحمة الله! انج يرحمك الله.»

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٣٢