ومن الذي يتصور أن ذلك الرجل الذي يلؤم أشنع اللؤم في معاملة الخلفاء يمضي فيستوهب ثوبا من علي بن موسى؟ ولم يستوهب ذلك الثوب؟ ليجعله في أكفانه يوم يموت!
إن قصة ذلك الثوب عجيبة: فقد خلع علي بن موسى جبة كانت عليه وأعطاها دعبلا، وبلغ أهل قم خبرها فسألوه أن يبيعهم إياها بثلاثين ألف درهم فلم يفعل، فخرجوا عليه في طريقه فأخذوها منه غصبا، وقالوا له: إن شئت أن تأخذ المال فافعل، وإلا فأنت أعلم! فقال لهم: إني والله لا أعطيكم إياها طوعا، ولا تنفعكم غصبا، فإنها إنما تراد لله عز وجل، وهي محرمة عليكم. فدفعوا إليه ثلاثين ألف درهم، فحلف ألا يبيعها أو يعطوه بعضها ليكون في كفنه، فأعطوه فرد كم ليكون في أكفانه. وتلك حادثة غريبة المعنى والمدلول، لكن غرابتها لا تظهر إلا لمن يجهلون أسرار النفوس، وإلا فأي غرابة في أن تجتمع الرقة والقسوة والعنف واللين في قلب الشاعر الموهوب؟
إن الشاعرية لا تقوم إلا على أساس التطرف في الحب والبغض، وقد جمع دعبل بين العاطفتين، فكان يوجه قسوته إلى الخلفاء، وكان يوجه رقته إلى أهل البيت.
ونحن نشهد في دنيانا رجالا على جانب عظيم من العنف يخضعون أتم الخضوع لبعض النوازع الوجدانية، ونرى ناسا يقضون أيامهم في اللهو والقصف، فإذا جاءت فرصة للهدى رأيناهم أول المنيبين.
والحق أن النفس الإنسانية معقدة أصعب التعقد ومشتبكة أخطر الاشتباك، والبساطة في الأهواء من شيم الأطفال، أما اقتتال الحق والباطل، واصطراع الهدى والضلال، فلا يكون إلا في النفوس القوية التي تدرك كيف يكون اصطدام العقول وتصاول الآراء.
والذين وقفوا عند الجانب السخيف من أخبار دعبل لم يفهموه حق الفهم، ولو قد فهموه لتمثلوا تلك الروح الصوفية، التي أوحت إليه أن يكتب تائيته على ثوب ويحرم فيه ثم يأمر بأن يكون ذلك الثوب في أكفانه يوم يموت.
فإن هذه اللمحة الشعرية لا تقع إلا من رجل خاشع القلب رقيق الوجدان، ومن الظلم أن ننسى هذه المعالم الروحية حين نتحدث عن ذلك الشاعر الذي أضيف إلى زمرة الخونة والصعاليك.
وما الذي يمنع أن نفهم أن سوء ظنه بالناس لم يقع إلا لنكبته بسيادة الظلم والظالمين؟
أروني رجلا واحدا لم يفسد حكمه على الأشياء والأشخاص والمعاني بسبب ما يبتلى به من انهدام صرح العدالة حين يرى الظلم يطارده أو يطارد من يحب!
وهذا التصعلك الذي ابتدأ به دعبل وانتهى إليه هو مصير كل رجل تخذله المقادير السياسية، والمنهزمون في السياسة لا ينظرون إلى الأمور إلا من جانب واحد؛ لأن الهزيمة تذهب بأصول التفكير المعقول، وتقف الرجل على أهوائه وآماله، وتحول فلسفته في الحياة إلى أمشاج من الضغن والتلوم والقنوط.
والوزراء الذين كان يكلف بهجائهم دعبل، من هم؟ لا نريد أن نسأل عن ذاتيتهم في حقيقة الأمر، فقد يكون فيهم ناس نبلاء، ولكن من هم في نفس دعبل؟ هم ظلمة عاونوا الظالمين، وخونة عاونوا الخائنين، ويكفي أن تثور معاني الظلم والعدل في نفس شاعر ليصبح وهو ثائر مخبول.
وما أريد بهذا أن أدافع عن دعبل، ولكني أريد أن أفهم كيف اتفق أن يكون قلبه مسرحا لحوادث العنف واللين، وكيف صح له أن يجمع بين سفه اللئيم ورفق الحليم، وكيف جاز أن يكون أحط الناس وأشرف الناس؟ وأظنني وصلت من ذلك إلى بعض ما أريد.
ولو كان الرواة فطنوا إلى ما كان في نفس دعبل من التعقد والاشتباك لما عدوا عليه خيانته للرشيد، فقد ذكروا أن الرشيد طرب حين غني بين يديه:
لا تعجبي يا سلم من رجل
ضحك المشيب برأسه فبكى
وسأل عن صاحب الشعر فقيل له: دعبل بن علي، وهو غلام نشأ من خزاعة، فأمر بإحضار عشرة آلاف درهم وخلعة من ثيابه، فأحضر ذلك فدفعه مع مركب من مراكبه إلى خادم من خاصته، وقال له: اذهب بهذا إلى خزاعة فاسأل عن دعبل بن علي، فإذا دللت عليه فأعطه هذا، وقل له ليحضر إن شاء، وإن لم يحب ذلك فدعه ... فسار الغلام إلى دعبل وأعطاه الجائزة وأشار عليه بالمسير إليه، وحضر دعبل إلى الرشيد فأمره بملازمته وأجرى عليه رزقا سنيا.