فإذا وجد على رجل جعل ذلك الشر فيه، وذكر اسمه،
3
فقصائد الهجاء عنده كأمثال الثياب عند تجار الملابس، تعد إعدادا، ثم تقدم حين تلوح الفرصة!
وكان يتفق له أن يسيء إلى أصدقائه من حيث لا يريد، فقد هجا أحمد بن أبي دواد، وكان تزوج امرأتين من بني عجل في سنة واحدة، فقال:
غصبت عجلا على فرجين في سنة
أفسدتهم ثم ما أصلحت من نسبك
ولو خطبت إلى طوق وأسرته
فزوجوك لما زادوك في حسبك
إن كان قوم أراد الله خزيهم
فزوجوك ارتغابا منك في ذهبك
فذاك يوجب أن النبع يجمعه
إلى خلافك في العيدان أو غربك
ولو سكت ولم تخطب إلى عرب
لما نبشت الذي تطويه من سببك
عد البيوت التي ترضى بخطبتها
تجد فزارة العكلي من عربك
فلقيه فزارة العكلي فقال له: يا أبا علي، ما حملك على ذكري حتى فضحتني، وأنا صديقك؟ فقال: يا أخي، والله ما اعتمدتك بمكروه، ولكن كذا جاءني الشعر لبلاء صبه الله عز وجل عليك!
وأثر عنه أنه كان يقول: ما كانت لأحد قط عندي منة إلا تمنيت موته!
4
وبمثل هذا القول يفسر الحديث المأثور: «اتق شر من أحسنت إليه.» (2)
وكان دعبل في بداية أمره من قطاع الطريق، وكان يخرج فيغيب سنين يدور الدنيا كلها، ويرجع وقد أفاد وأثرى، وكان الصعاليك يلقونه فلا يؤذونه، ويؤاكلونه ويشاربونه ويبرونه، وكان إذا لقيهم وضع طعامه وشرابه، ودعاهم إليه، ودعا بغلاميه، فأقعدهما يغنيان، وسقاهم وشرب معهم وأنشدهم، وكان الصعاليك يواصلونه ويصلونه،
5
وهذا يفسر جانبا من حياته الخلقية، فهو رجل يجمع بين حب الصعلكة وحب الفتك. وكان أكثر الصعاليك من أهل الشهامة والنبل، ولكنهم كانوا معروفين بحب القسوة والبطش، وقد بقي في نفسه شيء من الحياء، وذلك أيضا بقية من آداب الصعاليك، ومن شواهد ذلك أنه دخل الري في أيام الربيع فجاءهم ثلج لم يروا مثله في الشتاء، فأنشد شاعر من أهل الري هذه الأبيات:
جاءنا دعبل بثلج من الشع
ر فجادت سماؤنا بالثلوج
نزل الري بعدما سكن البر
د وقد أينعت رياض المروج
فكسانا ببرده لا كساه الله
ثوبا من كرسف محلوج
وكتبها في رقعة، وألقاها في دهليز دعبل، فلما قرأها ارتحل عن الري.
6 (3)
وكان على ما فيه من اللؤم والوقاحة والعنف من أشعر الناس، وكان البحتري يراه أشعر من مسلم بن الوليد، وقد سئل عن ذلك فقال: كلام دعبل أدخل في كلام العرب من كلام مسلم ، ومذهبه أشبه بمذاهبهم.
7
ومن شواهد اطلاعه أن بعضهم أنكر عليه كلاما جرى فيه قوله: «ليسك» فقال: دخل زيد الخيل على النبي
صلى الله عليه وسلم ، فقال له: «يا زيد ما وصف لي رجل إلا رأيته دون وصفه ليسك» يريد غيرك.
8
وكان المأمون يعجب بشعره ولا سيما هذه الأبيات:
ألم يأن للسفر الذين تحملوا
إلى وطن قبل الممات رجوع
فقلت ولم أملك سوابق عبرة
نطقن بما ضمت عليه ضلوع
تبين فكم دار تفرق شملها
وشمل شتيت عاد وهو جميع
كذاك الليالي صرفهن كما ترى
لكل أناس جدبة وربيع
وكان يقول: ما سافرت قط إلا كانت هذه الأبيات نصب عيني في سفري ومسليتي حتى أعود. (4)
نعود إلى المشكلة الحقيقية في نفسية دعبل: كان ذلك الرجل شريرا وكان كلفا بإيذاء الناس فكيف يتفق له التصوف في حب أهل البيت؟ وكيف يغرم بالنيل من أعراض الخلفاء والأمراء والوزراء وبأيديهم أسباب الأرزاق، ثم يعطف على ناس ألحت عليهم النوائب وأتمرت بهم أحداث الزمان؟ تلك مشكلة نفسية، فأين الحل؟
يغلب على الظن أن الرجل تلقى في طفولته حب أهل البيت، فصار حبهم كاللحن القديم الذي يسمعه الإنسان وهو طفل فيظل يلاحقه بأنغامه وهو كهل، وهناك نفوس لا تعرف غير هوى واحد في عالم السياسة، ويتأصل فيها ذلك الهوى حين تنهزم، ولا تزال تحرص عليه حتى يتحول إلى تصوف، وإذا انقلب الهوى إلى تصوف فلا نجاة منه ولا خلاص.
ولو أن أهل البيت لعهد دعبل استطاعوا أن ينتصروا وأن يزحزحوا السياسيين لاستطاعت الدنيا أن تغير من نفسه قواعد ذلك الهوى، ولكنهم ظلوا مدحورين فبقي الإشفاق عليهم حيا في نفسه حياة قوية، وظل حبهم يعذبه ويعنيه فينطقه في البكاء عليهم بأرق ما عرف شعراء الوجدان.