تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كشيعته والحرب قد ثفيت لهم

أمامهم قدر تجيش ومرجل

27

فريقان هذا راكب في عداوة

وباك على خذلانه الحق معول

فما نفع المستأخرين نكيصهم

ولا ضر أهل السابقات التعجل (12)

وفي القصيدتين وصف لأخلاق بني هاشم، فهم في البائية:

أناس بهم عزت قريش فأصبحوا

وفيهم خباء المكرمات المطنب

خضمون أشراف لهاميم سادة

مطاعيم أيسار إذا الناس أجدبوا

وهم سادة الجود والعلم والرأي:

إذا نشأت منهم بأرض سحابة

فلا النبت محظور ولا البرق خلب

وإن هاج نبت العلم في الناس لم تزل

لهم تلعة خضراء منه ومذنب

28

إذا ادلمست ظلماء أمرين حندس

فبدر لهم فيها مضيء وكوكب

وهم في اللامية نجوم يهتدي بها السارون، وغيوث يشتفي بها الممحلون:

وإن نزلت بالناس عمياء لم يكن

لهم بصر إلا بهم حين تشكل

وإنهم للناس فيما ينوبهم

أكف ندى تجدي عليهم وتفضل

لأهل العمى فيهم شفاء من العمى

مع النصح لو أن النصيحة تقبل (13)

هذا، ولا مفر من الاعتراف برقة الحنين في البائية، فقد بلغ الشاعر بحبه أقصى غايات التصوف، إذ يقول:

فقل للذي في ظل عمياء جونة

ترى الجور عدلا أين لا أين تذهب

29

بأي كتاب أم بأية سنة

ترى حبهم عارا علي وتحسب

فما لي إلا آل أحمد شيعة

وما لي إلا مشعب الحق مشعب

ومن غيرهم أرضى لنفسي شيعة

ومن بعدهم؟ لا من أجل وأرجب

30

أريب رجالا منهم وتريبني

خلائق مما أحدثوهن أريب

إليكم ذوي آل النبي تطلعت

نوازع من قلبي ظماء وألبب

فإني عن الأمر الذي تكرهونه

بقولي وفعلي ما استطعت لأجنب

يشيرون بالأيدي إلي وقولهم

ألا خاب هذا والمشيرون أخيب

فطائفة قد كفرتني بحبكم

وطائفة قالوا مسيء ومذنب

فما ساءني تكفير هاتيك منهم

ولا عيب هاتيك التي هي أعيب

يعيبونني من خبهم وضلالهم

على حبكم بل يسخرون وأعجب

وقالوا ترابي هواه ورأيه

بذلك أدعى فيهم وألقب

31

وأحمل أحقاد الأقارب فيكم

وينصب لي في الأبعدين فأنصب

فيا موقدا نارا لغيرك ضوءها

ويا حاطبا في غير حبلك تحطب

ألم ترني من حب آل محمد

أروح وأغدو خائفا أترقب

على أي جرم أم بأية سيرة

أعنف في تقريظهم وأؤنب

وفي اللامية أمثال لهذا الولاء، ولكنه في البائية أقوى وأصدق، رحم الله الكميت، وأكرم مثواه!

الفصل الخامس

| تائية دعبل في أهل البيت

رأي دعبل في لؤم الناس - ميله إلى الصعاليك - رأي البحتري والمأمون في شعره - نفسية دعبل - بغضه للخلفاء وحبه لأهل البيت - سيرورة التائية في الأقطار الإسلامية وأخبارها في عالم الجن - الإمام المنتظر. *** (1)

نحن الآن أمام «شاعر متقدم مطبوع هجاء خبيث اللسان لم يسلم عليه أحد من الخلفاء، ولا من وزرائهم، ولا أولادهم، ولا ذو نباهة أحسن إليه، أو لم يحسن».

1

والعجب أن تسري الروحانية إلى صدر رجل مثل دعبل، فقد كان ذلك الرجل يعتقد اعتقادا سيئا في الناس، ويؤمن بأنهم لا يصلحون بغير الهجاء، يدلنا على ذلك ما حدث به أبو خالد الخزاعي إذ قال: قلت لدعبل: ويحك! قد هجوت الخلفاء والوزراء والقواد، ووترت الناس جميعا، فأنت دهرك كله شريد طريد هارب خائف، فلو كففت عن هذا، وصرفت هذا الشر عن نفسك!

فقال دعبل: ويحك! إني تأملت ما تقول فوجدت أكثر الناس لا ينتفع بهم إلا على الرهبة، ولا يبالي بالشاعر وإن كان مجيدا إذا لم يخف شره، ولمن يتقيك على عرضه أكثر ممن يرغب إليك في تشريفه، وعيوب الناس أكثر من محاسنهم، وليس كل من شرفته شرف، ولا كل من وصفته بالجود والمجد والشجاعة ولم يكن ذلك فيه انتفع بقولك، فإذا رآك قد أوجعت غيره وفضحته اتقاك على نفسه، وخاف من مثل ما جرى على الآخر، ويحك يا أبا خالد! إن الهجاء المقذع آخذ بضبع الشاعر من المديح المضرع.

2

وهو بهذا التصريح يفصح عن رأيه في الناس؛ فهم عنده لئام جبناء يتقون الشتم أكثر مما يرغبون في التشريف، وكان بالفعل لا ينفك ينظم قصائد الهجاء، وكان يسأل أحيانا عن موضوع أهاجيه فيجيب: ما استحقه أحد بعينه بعد، وليس له صاحب.

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ٢٩