ونحن بها مستمسكون كأنها
لنا جنة مما نخاف ومعقل
أرانا على حب الحياة وطولها
يجد بنا في كل يوم ونهزل
نعالج مرمقا من العيش فانيا
له حارك لا يحمل العبء أجزل
11
فتلك أمور الناس أضحت كأنها
أمور مضيع آثر النوم بهل
12
ثم يمضي في عنف الجدل، فيقول:
فيا ساسة هاتوا لنا من حديثكم
ففيكم لعمري ذو أفانين مقول
أأهل كتاب نحن فيه وأنتم
على الحق نقضي بالكتاب ونعدل
فكيف ومن أنى وإذ نحن خلفة
فريقان شتى تسمنون ونهزل
13
أنصلح دنيانا جميعا وديننا
على ما به ضاع السوام المؤبل
14
برينا كبري القدح أوهن متنه
من القوم لا شار ولا متنبل
15
ولاية سلغد ألف كأنه
من الرهق المخلوط بالنوك أثول
16
كأن كتاب الله يعنى بأمره
وبالنهي فيه الكودني المركل
17
ألم يتدبر آية فتدله
على ترك ما يأتي أم القلب مقفل
فتلك ملوك السوء قد طال ملكهم
فحتام حتام العناء المطول
رضوا بفعال السوء من أمر دينهم
فقد أيتموا طورا عداء وأثكلوا
كما رضيت بخلا وسوء ولاية
لكلبتها في أول الدهر حومل
18
نباحا إذا ما الليل أظلم دونها
وضربا وتجويعا خبال مخبل
وما ضرب الأمثال في الجور قبلنا
بأجور من حكامنا المتمثل
همو خوفونا بالعمى هوة الردى
كما شب نار الحالفين المهول
19
لهم كل عام بدعة يحدثونها
أزلوا بها أتباعهم ثم أوجلوا
20
كما ابتدع الرهبان ما لم يجئ به
كتاب ولا وحي من الله منزل
تحل دماء المسلمين لديهم
ويحرم طلع النخلة المتهدل
وليس لنا في الفيء حظ لديهم
وليس لنا في رحلة الناس أرحل
فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى
عليهم؟ وهل إلا عليك المعول؟
وهذه القطعة أقوى من نظيرتها في البائية، والافتنان فيها أظهر، والشاعر فيها يصول بمنكب أضخم، وساعد أفتك، وفيها بيت نادر، هو قوله:
تحل دماء المسلمين لديهم
ويحرم طلع النخلة المتهدل
وهو معنى انتهبه أحد المحدثين؛ إذ قال:
قتل امرئ في غابة
جريمة لا تغتفر
وقتل شعب آمن
مسألة فيها نظر
وبيت الكميت لا تفنى عجائبه عند التأمل، فالظالمون في جميع العصور يرفقون بالأشياء ويقسون على الأشخاص؛ فطلع النخلة حرام، وقتل الأبرياء حلال.
والكميت يحرص على إبراز آصار الظلم، وهي عنده تتمثل في سمنة الظالمين وهزال المظلومين.
أأهل كتاب نحن فيه وأنتم
على الحق نقضي بالكتاب ونعدل
فكيف ومن أنى وإذ نحن خلفة
فريقان شتى تسمنون ونهزل
وسيأخذ دعبل معنى هذا البيت، فيقول:
فآل رسول الله نحف جسومهم
وآل زياد حفل القصرات
21
والكميت يلح في تصوير الهزال، فيذكر أن قد أصابهم ما أصاب القدح من عنف البري، ويمثل ولاية بني أمية بولاية الذئب، وكان عندهم مضرب المثل في الطغيان، ثم يجأر بهذا البيت:
وما ضرب الأمثال في الجور قبلنا
بأجور من حكامنا المتمثل
ويشبه بني أمية بالرهبان يبتدعون ما لم يجئ به وحي ولا كتاب، وكان هذا التشبيه لعهده غاية في القوة بفضل ما في القرآن من الإشارة إلى أعمال الأحبار والرهبان. (11)
ولم ينس الكميت أن يتحدث في اللامية عن فواجع أهل البيت، وإن كان لم يستقص أخبارهم كما صنع في البائية، فقد وقف عند مصرع الحسين، ولكن أسلوبه في اللامية أقوى وأرشق.
ومن عجب لم أقضه أن خيلهم
لأجوافها تحت العجاجة أزمل
22
هماهم بالمستلئمين عوابس
كحدآن يوم الدجن تعلو وتسفل
23
يحلئن عن ماء الفرات وظله
حسينا ولم يشهر عليهن منصل
24
كأن حسينا والبهاليل حوله
لأسيافهم ما يختلي المتبقل
25
يخضن به من آل أحمد في الوغى
دما ظل منهم كالبهيم المحجل
وغاب نبي الله عنهم وفقده
على الناس رزء ما هناك مجلل
فلم أر مخذولا أجل مصيبة
وأوجب منه نصرة حين يخذل
يصيب به الرامون عن قوس غيرهم
فيا آخرا أسدى له الغي أول
تهافت ذبان المطامع حوله
فريقان شتى ذو سلاح وأعزل
26
إذا شرعت فيه الأسنة كبرت
غواتهم من كل أوب وهللوا
فما ظفر المجرى إليهم برأسه
ولا عذل الباكي عليه المولول
فلم أر موتورين أهل بصيرة
وحق لهم أيد صحاح وأرجل