19
وفي الأغاني أن الكميت وحمادا الراوية اجتمعا في مسجد الكوفة فتذاكرا أشعار العرب وأيامها، فخالفه حماد في شيء ونازعه، فقال الكميت: أتظن أنك أعلم مني بأيام العرب وأشعارها؟ قال: ما هو إلا الظن؟ هذا والله اليقين! فغضب الكميت ثم قال: لكم شاعر بصير يقال له عمرو بن فلان تروي؟ ولكم شاعر أعور أو أعمى اسمه فلان بن عمرو تروي؟ فقال حماد قولا غير مقنع، فجعل الكميت يذكر رجلا رجلا من صنف صنف، ويسأل حمادا هل يعرفه؟ فإذا قال لا، أنشده من شعره جزءا جزءا حتى ضجر السامعون، ثم قال له الكميت: فإني سائلك عن شيء من الشعر، فسأل عن قول يزيد بن طعمة الخطمي:
طرحوا أصحابهم في ورطة
قذفك المقلة شطر المعترك
فلم يعلم حماد تفسيره، فسأله عن قول الآخر:
تدريننا بالقول حتى كأنما
تدرين ولدانا تصيد الرهادنا
فأفحم حماد، فقال له الكميت: أجلتك إلى الجمعة الأخرى، فجاء حماد ولم يأت بتفسيرهما، وسأل الكميت أن يفسرهما له، فقال: المقلة: حصاة أو نواة من نوى المقل يحملها القوم معهم إذا سافروا، وتوضع في الإناء ويصب عليها الماء حتى يغمرها، فيكون ذلك علامة يقتسمون بها الماء، والشطر: النصيب، والمعترك: الموضع الذي يختصمون فيه في الماء، فيلقونها هناك عند الشرب، وقوله : «تدريننا» يعني النساء؛ أي ختلننا فرميننا، والرهادن: طير بمكة كالعصافير.
20
ولم يقف الكميت بعلمه عند أنساب العرب وأشعارها، بل مضى فعرف أخبار الناس في الجاهلية، وكانت له جدتان أدركتا ذلك العهد، فكانتا تصفان له البادية وأمورها، وتخبرانه بأخبار الناس في الجاهلية، فإذا شك في شعر أو خبر عرضه عليهما فتخبرانه عنه، ومن هنا كان علمه بالبادية في أكثره علم سماع لا علم معاينة، وقد تنبه إلى ذلك ذو الرمة حين أنشده بائيته التي عارض بها قصيدته.
ما بال عينك منها الماء ينسكب
فقال له: «ويحك! إنك لتقول قولا ما يقدر إنسان أن يقول لك أصبت ولا أخطأت، وذلك أنك تصف الشيء فلا تجيء به، ولا تقع بعيدا منه، بل تقع قريبا منه.»
فقال الكميت: أوتدري لم ذلك؟ قال: لا. فقال: لأنك تصف شيئا رأيته بعينك، وأنا أصف شيئا وصف لي وليست المعاينة كالوصف.
21
وهذا كله يدلنا على أن الكميت استعد للثقافة الشعرية استعدادا بلغ فيه أقصى الجهد، وكثير من شعره يجري مجرى التلميح لما وقع بين القبائل، على نحو ما نرى في هذا البيت:
كأن الغطامط من غليها
أراجيز أسلم تهجو غفارا
22 (7)
ننتقل إلى الأهم من أمر الكميت، وهو حبه لأهل البيت، وليس من المغالاة أن نقول إن حبه للرسول وأهله كان أقوى ما عرف من عواطف الشعراء لذلك العهد، وهو في حبه هذا يمثل الروحانية أصدق تمثيل، وما ظنكم برجل يفنى في حبه فناء تنمحي الدنيا في سبيله، أو تكاد، ويمضي فيتغنى بحب الرسول وأهل بيته في أيام كان مدح الرسول فيها يعرض الشاعر لغضب بني أمية، وبيدهم الحول والطول، وما كان بنو أمية بكافرين حتى يؤذيهم مدح الرسول، ولكن السياسة كما أشرنا من قبل كانت ترى في مدح الرسول تزكية للهاشميين، وكان الكميت يصرح بأنهم انتهبوا الخلافة بغير حق، وهي في رأيه ميراث الرسول لا يصلح لها إلا أهله الأقربون.
وشواهد التاريخ تدلنا على أن الهاشميين كانوا في حال من اليأس لا يرهبهم فيها عدو، ولا يرجوهم صديق ، وهذا يزيد في أقدار من تعصبوا لهم من الشعراء، ولا سيما إذا لاحظنا أن الكميت كان يتوجع لبني هاشم توجعا يثير الدمع، وكان يحن إلى مودتهم حنينا هو أقباس من التصوف، وكانت له معهم نوادر تفصح عن صدق سريرته أجمل إفصاح، وإليك هذا المثال:
دخل الكميت على أبي عبد الله جعفر بن محمد، فقال له: جعلت فداك! ألا أنشدك؟
فقال أبو عبد الله: إنها أيام عظام! فقال الكميت: إنها فيكم. فقال هات! وبعث أبو عبد الله إلى بعض أهله فقرب فأنشده، وكثر البكاء حين أتى على هذا البيت: