يصيب به الرامون عن قوس غيرهم
فيا آخرا أسدى له الغي أول
فرفع أبو عبد الله يديه، وقال: اللهم اغفر للكميت ما قدم وما أخر، وما أسر وما أعلن، وأعطه حتى يرضى!
ومن المؤكد عندنا أن هذه الدعوة كانت أحب إلى قلب الكميت من سني العطاء، ودليلنا على ذلك أنه دخل يوما على أبي عبد الله فأعطاه ألف دينار وكسوة، فقال له الكميت: «والله ما أحببتكم للدنيا، ولو أردت الدنيا لأتيت من هي في يديه، ولكني أحببتكم للآخرة، فأما الثياب التي أصابت أجسامكم، فأنا أقبلها لبركتها، وأما المال فلا أقبله» وكذلك رد المال، وقبل الثياب.
23
ودخل على فاطمة بنت الحسين، فقالت: هذا شاعرنا أهل البيت!
وجيء بقدح فيه سويق فحركته بيدها، وسقت الكميت فشربه، ثم أمرت له بثلاثين دينارا ومركب، فهملت عيناه، وقال: «والله لا أقبلها، إني لم أحبكم للدنيا.»
24
فإن لم يكن هذا الولاء تصوفا وروحانية، فأين يكون التصوف، وأين تكون الروحانية؟ وكان هو نفسه يؤمن بأنه يسير في طريق الحق، ويعتقد بأنه يتقرب إلى الله بحب أهل البيت، وشاهد ذلك أنه رأى النبي في نومه، وهو مختف بعد أن هرب من السجن، فقال له الرسول: مم خوفك؟
فقال: يا رسول الله، من بني أمية، وأنشده:
ألم ترني من حب آل محمد
أروح وأغدو خائفا أترقب
فقال له رسول الله: اظهر فإن الله قد أمنك في الدنيا والآخرة.
وقد اطمأنت جماهير المسلمين إلى صدق الكميت، وكان خصومه من الشعراء يعادونه في هيبة وحذر خوفا من غضب الرسول، وقد حدثوا أن دعبلا لما ناقض الكميت في قصيدته التي هجا بها قبائل اليمن رأى النبي
صلى الله عليه وسلم
في النوم فنهاه عن ذكر الكميت بسوء.
25
والعلم الذي نعرفه، وهو علم قليل، يشرح هذه الأحلام شرحا مقبولا، وهو يجعلها دليلا على نيات من يحلمون، فإذا استطاع العلم بعد اليوم أن يثبت صلة الأرواح بالأحياء، فسنعرف يومئذ أن الكميت كان قريبا كل القرب من روح الرسول. (8)
وقد أثرت عن الكميت مواطن مدح فيها بني أمية، فكيف يتفق ذلك لشاعر أخلص في حب أهل البيت؟ ونجيب بأنه كان ينتمي أحيانا إلى بني أمية ليقي أعراض بني هاشم، فقد لامه ابنه على أن افتخر ببني أمية، وهو يهاجي الكلبي عدوه، فأجاب: «يا بني، أنت تعلم انقطاع الكلبي إلى بني أمية، وهم أعداء علي عليه السلام، فلو ذكرت عليا لترك ذكري، وأقبل على هجائه، فأكون قد عرضت عليا له، ولا أجد له ناصرا من بني أمية، ففخرت عليه ببني أمية وقلت إن نقضها علي قتلوه، وإن أمسك عن ذكرهم قتلته غما وغلبته.»
26
وكان الأمر كما قال: أمسك الكلبي عن جوابه فغلب عليه وأفحم الكلبي.
ودخل يوما على أبي جعفر محمد بن علي، فقال له: يا كميت، أنت القائل:
والآن صرت إلى أمي
ة والأمور إلى مصاير
فأجاب الكميت: نعم! قد قلت، ولا والله ما أردت به إلا الدنيا، ولقد عرفت فضلكم.
27
وهذا الجواب غاية في أدب النفس؛ فالشاعر لا ينكر أنه مدح بني أمية وإنما يعترف بأنه لم يرد بذلك إلا الدنيا، أما الآخرة فقد أرادها بمدح أهل البيت.
ولنتذكر أنه قال هذا القول بمسمع من بني أمية، وبأيديهم مفاتيح الخزائن ومقاليد السجون؛ فهو منهم بين الرجاء والخوف، ولم يمنعه ذلك الموقف الحرج من التصريح بأنه لم يمدحهم إلا للدنيا الفانية، وهذا التصريح هو في ذاته قصيدة هجاء، وهل ينكر أحد أن الاعتراف يهدم الاقتراف؟
على أنه إن صح أن الشعر دليل على وجدان الشاعر، فسيبقى من شواهد صدقه أن شعره في الهاشميين أقوى من شعره في بني أمية، فليست أشعاره في الأمويين إلا قصائد مديح لها نظائر وأمثال في اللغة العربية، أما قصائده الهاشميات فهي أعز من أن يكون لها نظائر وأمثال.
الفصل الرابع
| هاشميات الكميت
إلحاح الشاعر في وصف بني هاشم بكرم الأخلاق - تعلق المنهزمين في السياسة بأهداب المثل الأعلى - صور من أخلاق الهاشميين - الهاشميات من القصائد الطوال - مظاهر التجديد عند الكميت - مدح أهل البيت فرع من المدائح النبوية - مقارعة الأمويين في البائية واللامية - ملامح من هاتين القصيدتين - مظهر التصوف في البائية. *** (1)