فأنشده فقال له: بوركت وبورك قومك!
9
وحدث أبو عكرمة الضبي عن أبيه فقال: أدركت الناس بالكوفة يقولون:
من لم يرو: «طربت وما شوقا إلى البيض أطرب» فليس بهاشمي.
ومن لم يرو: «ذكر القلب إلفه المهجورا» فليس بأموي.
ومن لم يرو: «هلا عرفت منازلا بالأبرق» فليس بمهلبي.
ومن لم يرو: «طربت وهاجك الشوق الحثيث» فليس بثقفي.
10
وكان إلى هذا كله يوزن رأيه في الحكم على الشعراء، وقد أثبت صاحب الأغاني رأيه في شعر أمية بن أبي الصلت.
11
وكان هو نفسه مفتونا بالإجادة، فقد قيل له: إنك قلت في بني هاشم فأحسنت، وقلت في بني أمية أفضل. فأجاب: إني إذا قلت أحببت أن أحسن.
12
وقد استشهد النحاة بشعره غير مرة، وإن كره ذلك المفضل الذي سلكه مع كثير وذي الرمة والطرماح
13
على حين كان يراه معاذ الهراء أشعر الأولين والآخرين.
14
تلك منزلة الكميت عند القدماء، فإن سألتم أين منزلته في العصر الحديث فإنا نذكر أنه آخر من يهتم به أساتذة الأدب في المعاهد العلمية، وقد سبق المستشرقون إلى إحياء شعره فطبعوا هاشمياته في ليدن سنة 1904م، وكتب لها أحدهم مقدمة وتصحيحات باللغة الألمانية.
15 (5)
كانت حياة الكميت موزعة بين طائفة من الأهواء والميول، فكان من الوجهة النفسية رجلا يعرف حقوق الإخوان، فيصطفي من يصطفي على أساس العقل، وقد لاحظ معاصروه أن ما كان بينه وبين الطرماح من المودة لم يكن بين اثنين على تفاوت المذهب والعصبية فقيل له: فيم اتفقتما هذا الاتفاق مع اختلاف سائر الأهواء؟ فقال: اتفقنا على بغض العامة.
16
ومعنى هذا أن قرابة العقل كانت تجمع بين الرجلين، وتلك لفتة خلقية لا يدرك قيمتها إلا الأقلون، ومن أجل هذا اهتم ابن قتيبة برواية شعره في باب الإخوان من عيون الأخبار، فروى له في باب المودة بالتشاكل هذه الأبيات:
وما أنا بالنكس الدنيء ولا الذي
إذا صد عنه ذو المودة يقرب
ولكنه إن دام دمت وإن يكن
له مذهب عني فلي عنه مذهب
ألا إن خير الود ود تطوعت
به النفس لا ود أتى وهو متعب
وروى له في باب شرار الإخوان:
وقد يخذل المولى دعائي ويجتدي
أذاتي وإن يعدل به الضيم أغضب
فأونس من بعض الصديق ملالة الد
نو فأستبقيهمو بالتجنب
ويتصل بصدق الأخوة في نفسه ما وقع له يوم مدح الحكم بن الصلت بقصيدته:
طربت وهاجك الشوق الحثيث
فإنه لما فرغ من إنشاده دعا الحكم بخازنه ليعطيه الجائزة، ثم دعا بأبان بن الوليد فأدخل عليه وهو مكبل بالحديد، فطالبه بما عليه من المال، فالتفت الكميت فرآه فدمعت عيناه، وأقبل على الحكم، فقال: أصلح الله الأمير! اجعل جائزتي لأبان.
وكان حوشب بن يزيد الشيباني بالمجلس، وكان يكره الكميت وأبان معا وساءه أن يشفع الكميت لأبان، فقال: أصلح الله الأمير! أتشفع حمار بني أسد في عبد بجيلة؟
فقال له الكميت: لئن قلت ذاك فوالله ما فررنا عن آبائنا حتى قتلوا، ولا نكحنا حلائل آبائنا بعد أن ماتوا ... وكان يقال إن حوشبا فر عن أبيه في بعض الحروب، فقتل أبوه ونجا هو.
وفيه يقول الشاعر:
نجى حشاشته وأسلم شيخه
لما رأى وقع الأسنة حوشب
17 (6)
وكما كان الكميت عذب المودة كان مر العداوة، وقد هاجى فريقا من الشعراء، وتعرض للحبس بسبب هجائه لبعض الأمراء، عرض له الكلبي بهذين البيتين:
ما سرني أن أمي من بني أسد
وأن ربي نجاني من النار
وأنهم زوجوني من بناتهم
وأن لي كل يوم ألف دينار
فأجاب الكميت:
يا كلب ما لك أم من بني أسد
معروفة فاحترق يا كلب بالنار
لكن أمك من قوم شنئت بهم
قد قنعوك قناع الخزي والعار
18
وحمله غرامه بالهجاء على التفوق في علم الأنساب، فإنه لا شيء أخطر في الخصومات من معرفة قديم المثالب حين تضطرم نار السباب، ويظهر أن الكميت كان عفى على الأولين من النسابين، فقد نقل ياقوت أن ابن عبدة النساب قال: «ما عرف النساب أنساب العرب على حقيقة حتى قال الكميت النزاريات فأظهر بها علما كثيرا، ولقد نظرت في شعره فما رأيت أحدا أعلم منه بالعرب وأيامها.»