طربت وما شوقا إلى البيض أطرب
ولا لعبا مني وذو الشوق يلعب
ولم تلهني دار ولا رسم منزل
ولم يتطربني بنان مخضب
ولا السانحات البارحات عشية
أمر سليم القرن أم مر أعضب
ولكن إلى أهل الفضائل والنهى
وخير بني حواء والخير يطلب
إلى النفر البيض الذين بحبهم
إلى الله فيما نالني أتقرب
بني هاشم رهط النبي فإنني
بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب
خفضت لهم مني جناحي مودة
إلى كنف عطفاه أهل ومرحب
وكنت لهم من هؤلاك وهؤلا
مجنا على أني أذم وأقصب
وأرمى وأرمي بالعداوة أهلها
وإني لأوذى فيهمو وأؤنب
فقال له الفرزدق: قد طربت إلى شيء ما طرب إليه أحد قبلك، فأما نحن فلا نطرب، ولا طرب من كان قبلنا إلا إلى ما تركت أنت الطرب إليه، ثم قال له: يا ابن أخي أذع ثم أذع، فأنت والله أشعر من مضى وأشعر من بقي.
3
وشهادة الفرزدق لها قيمة؛ فقد كان من المتقدمين من يرى الشعراء أصحاب الحق الأول في نقد الشعر لأنهم أعرف بعيون الكلام، وأبصر بالمآزق التي يتعرض لها الشعراء.
وبلغ من شاعرية الكميت أن صارت ديباجته عنوانا عليه يعرفه بها الرواة، وإن لم يقرن اسمه إلى شعره، فقد حدثوا أن هشاما اتهم خالد بن عبد الله، وكان يقال له: «إنه يريد خلعك» فوجد بباب هشام يوما رقعة فيها شعر، فدخل بها على هشام فقرئت عليه، وهي:
تألق برق عندنا وتقابلت
أثاف لقدر الحرب أخشى اقتبالها
فدونك قدر الحرب وهي مقرة
لكفيك واجعل دون قدر جعالها
ولن تنتهي أو يبلغ الأمر حده
فنلها برسل قبل ألا تنالها
فتجشم منها ما جشمت من التي
بسوراء هرت نحو حالك حالها
4
تلاف أمور الناس قبل تفاقم
بعقدة حزم لا تخاف انحلالها
فما أبرم الأقوام يوما لحيلة
من الأمر إلا قلدوك احتيالها
وقد تخبر الحرب العوان بسرها
وإن لم تبح من لا يريد سؤالها
فأمر هشام أن يجمع له من بحضرته من الرواة، فجمعوا فأمر بالأبيات فقرئت عليهم فقال: شعر من تشبه هذه الأبيات؟
فأجمعوا جميعا من ساعتهم أنه كلام الكميت.
فقال هشام: نعم! هذا الكميت ينذرني بخالد بن عبد الله.
5
ودلالة الأسلوب على صاحبه مظهر من مظاهر قوة الشخصية بغض النظر عن القيمة الذاتية لآثار الكتاب والشعراء.
وكان بشار يتحامل على الكميت، ويقول: ما كان الكميت شاعرا، فقيل له: كيف وهو الذي يقول:
أنصف امرئ من نصف حي يسبني
لعمري لقد لاقيت خطبا من الخطب
هنيئا لكلب أن كلبا يسبني
وأني لم أردد جوابا على كلب
فبهت بشار، وأجاب بجواب سخيف.
6
وتحامل بشار على الكميت ليس بشيء، فإن الشعراء قد يجازي بعضهم بعضا أسوأ الجزاء، وقد يكون من أسباب حقد بشار على الكميت رغبته في أن يغيظ أشياعه من الرواة والنقاد، وما قيمة تحامل بشار بجانب شهادة الجاحظ الذي قال: ما فتح للشيعة الحجاج إلا الكميت بقوله:
فإن هي لم تصلح لحي سواهم
فإن ذوي القربى أحق وأوجب
يقولون لم يورث ولولا تراثه
لقد شركت فيه بجيل وأرحب
7
وكان الجاحظ من أعلم الناس بتطور الحركات العقلية في الأحزاب الإسلامية.
ومن أقرب الشهادات إلى معاني الوفاء ما وقع يوم التقت ريا بنت الكميت، وفاطمة بنت أبان بن الوليد بمكة، وهما حاجتان، فتساءلتا حتى تعارفتا، فدفعت بنت أبان إلى بنت الكميت خلخالي ذهب كانا عليها، فقالت لها بنت الكميت: جزاكم الله خيرا يا آل أبان! فما تتركون بركم بنا قديما ولا حديثا. فقالت لها بنت أبان: بل أنتم فجزاكم الله خيرا، فإنا أعطيناكم ما يبيد ويفنى، وأعطيتمونا من المجد والشرف ما يبقى أبدا ولا يبيد، يتناشده الناس في المحافل، فيحيي ميت الذكر، ويرفع بقية العقب.
8
وكان الكميت أجاد مدح أبان بن الوليد.
وكان بنو أسد يعدون الكميت من مفاخرهم، ويقولون: فينا فضيلة ليست في العالم، ليس منزل منا إلا وفيه بركة وراثة الكميت؛ لأنه رأى النبي
صلى الله عليه وسلم
في النوم، فقال له أنشدني:
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب