تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذه الحقيقة ما يغنينا عن الجواب إذا سئلنا عن إغفال كثير من الشعراء الذين مدحوا أهل البيت، إن علامة التصوف هي الشجاعة، والشجاعة لا يحتاج إليها إلا في مواطن الخوف، وهي عندئذ دليل على حفظ العهد وصدق اليقين.

الفصل الثالث

| الكميت بن زيد الأسدي

مولده وطفولته - بدايته الشعرية - اهتمام الرواة والنقاد بشعره - إخوانياته ووفاؤه - أهاجيه ومعرفته بالأنساب والأشعار وأحوال الجاهلية - حبه لأهل البيت - اعتذاره عن مدح بني أمية. *** (1)

ولد الكميت بن زيد بالكوفة سنة ستين للهجرة، وبعض من ترجموا له لا يعينون سنة مولده، وإنما يقولون: ولد أيام مقتل الحسين، وعند تأمل أساليب العرب في تقييد المواليد نجد لهم ملحظا ظريفا في ذلك، فهم يقولون إن عمر بن أبي ربيعة ولد في الليلة التي مات فيها عمر بن الخطاب ليصح لهم أن يعقبوا بهذه النكتة، فيقولوا: فأي خير رفع، وأي شر وضع! لأن عمر الذي مات كان مثال الوقار، أما عمر الذي ولد فكان مثال الطيش، وكذلك قالوا إن الكميت ولد في أيام مقتل الحسين، ليشيروا إلى أنه جاء إلى الدنيا في أيام الأحزان العلوية، وأنه بقصائده الهاشميات سيشفي الأحزان التي أحدقت بالعالم الإسلامي يوم جاء إلى الوجود. (2)

مرت طفولة الكميت بين النباهة والخمول، فلم يعرف عنها شيء ذو بال، ولعل أول ما لفت النظر إلى ذكائه ما وقع له مع الفرزدق، فقد حدثوا أنه وقف وهو صبي على الفرزدق وهو ينشد أشعاره، فراع الفرزدق حسن استماع الكميت، وأخذه الزهو والخيلاء، فلما فرغ من إنشاده أقبل على الصبي، وقال: هل أعجبك شعري يا بني؟ فأجاب الكميت: لقد طربت لشعرك طربا لم أشعر بمثله من قبل! فانتشى الفرزدق، وأخذ العجب منه كل مأخذ، وقال للصبي في نشوة المفتون: أيسرك أني أبوك؟ فقال الكميت: أما أبي فلا أريد به بدلا، ولكن يسرني أن تكون أمي! فحضر الفرزدق، وقال: ما مر بي مثلها.

وهذه النادرة مع شاعر في منزلة الفرزدق كانت كفيلة بأن تجعل لذلك الطفل شهرة بين الناس. (3)

ويأبى الرواة إلا أن يجعلوا الكميت من الأعاجيب؛ فهم لا يريدون أن يجعلوه شاعرا كسائر الشعراء، يبدأ بداية عادية، ثم يتسامى فيسمو إلى منازل الشعر الرفيع، وإنما يزعمون أنه نبغ دفعة واحدة، ويذكرون أن عمه كان رئيس قومه، وأنه قال يوما: يا كميت لم لا تقول الشعر؟ ثم أخذه فأدخله الماء، وقال: لا أخرجك منه أو تقول الشعر، فمرت به قنبرة، فأنشد متمثلا:

يا لك من قنبرة بمعمر

خلا لك الجو فبيضي واصفري

ونقري ما شئت أن تنقري

فقال له عمه ورحمه: قد قلت شعرا فاخرج! فقال الكميت: لا أخرج أو أقول لنفسي! فما رام حتى عمل قصيدته المشهورة، وهي أول شعره، ثم غدا على عمه فقال: اجمع لي العشيرة ليسمعوا، فجمعهم له فأنشد:

طربت وما شوقا إلى البيض أطرب

ولا لعبا مني وذو الشوق يلعب

1

وسنرى أنه ليس بمعقول أن تكون هذه القصيدة أول شعره؛ لأن فيها من القوة ما يقطع بأنها ليست بداية شعرية، وإنما هي صرخة شاعر فحل طال منه الصيال. (4)

نترك طفولة الكميت وصباه، ونذكر أن شاعريته ملأت الدنيا ضجيجا، وأصبح في عصره وبعد عصره مضرب الأمثال، فقد عرض بديع الزمان الهمذاني لاسمه في رسالة الذهب والأدب فقال:

واحتيج في البيت، إلى شيء من الزيت، فأنشدت ألفا ومائتي بيت، من شعر الكميت، فلم يغن.

وعني ابن الأعرابي بدرسه، وكان ابن الأعرابي لا يشغل نفسه إلا بالشعراء الفحول الذين يعرفون الأنساب، أو يمتون بعرق إلى الأساليب الجاهلية، وكان الجاهليون عندهم أئمة البيان.

ولم يعن ابن الأعرابي بدرس شعر الكميت فحسب، بل كان يذكر به من يغفلون عنه حين يعرضون عليه ما عرفوا من معاني الشعراء.

2

وقد شهد له الفرزدق بقوة الشاعرية، فإنه لما قدم الكوفة أسرع إليه الكميت، فقال له: إني قد قلت شيئا فاسمعه مني يا أبا فراس، قال: هاته، فأنشده قوله في أهل البيت:

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ١٩