تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

من الولاء وحبه المساكين، وإعظامه لأهل الدين، وعاديتك على سفكك الدماء، وجورك في القضاء، وحكمك بالهوى، قال: فلذلك انتفخ بطنك، وعظم ثدياك، وربت عجيزتك! قالت: يا هذا بهند والله كان يضرب المثل في ذلك، لأبي! قال معاوية: يا هذه اربعي فإنا لم نقل إلا خيرا، إنه إذا انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها، وإذا عظم ثدياها تروى رضيعها، وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها، فرجعت وسكنت، ثم قال: يا هذه، هل رأيت عليا؟ قالت: إي والله! قال: فكيف رأيته؟ قالت رأيته والله لم يفتنه الملك الذي فتنك، ولم تشغله النعمة التي شغلتك! قال: فهل سمعت كلامه؟ قالت: نعم، والله! فكان يجلو القلوب من العمى، كما يجلو الزيت صدأ الطست. قال: صدقت، فهل لك من حاجة؟ قالت: أوتفعل إذا سألتك؟ قال: نعم. قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها. قال : تصنعين بها ماذا؟ قالت: أغذو بألبانها الصغار، وأستحيي بها الكبار، وأكتسب بها المكارم، وأصلح بها بين العشائر. قال: فإن أعطيتك ذلك، فهل أحل عندك محل علي بن أبي طالب؟ قالت: سبحان الله! أو دونه! فأنشأ معاوية يقول:

إذا لم أعد بالحلم مني عليكم

فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم

خذيها هنيئا واذكري فعل ماجد

جزاك على حرب العداوة بالسلم

ثم قال: أما والله لو كان علي حيا ما أعطاك منها شيئا!

قالت: لا والله، ولا وبرة واحدة من مال المسلمين!

8 (10)

ولهذه المواقف الثلاثة نظائر كثيرة في الأدب العربي، وهي تحتمل ثلاثة فروض:

الفرض الأول:

أن تكون صحيحة، وهي عندئذ شاهد صحيح على التصوف في حب علي، والوفاء للميت بمثل هذه الصورة لا يكون إلا من قلوب عامرة بالإخلاص، ولا سيما إذا تذكرنا أن ذلك الميت انهزم في ميدان السياسة وانهزم ناصروه، وتمت لعدوه الغلبة فاستأثر بالحول والطول.

والفرض الثاني:

أن تكون من وضع العلويين، وهي عندئذ صورة من أهوائهم في حب أهل البيت.

والفرض الثالث:

أن تكون من وضع الأمويين، ويكون الغرض من وضعها تزكية آل حرب ووصفهم برجاحة الأحلام، فهي أيضا صورة لما كان مفروضا من وفاء بعض الناس لأهل البيت، والفرض الأخير لا يمكن قبوله في جميع الحالات؛ ففي بعض المواقف قذف لآل حرب، ورمي بالبغي والفسوق، وتذكير بمخازيهم في الجاهلية والإسلام، وفي هذه الحال لا يقبل غير الفرض الثاني؛ لأن معاوية مهما حلم فعنده هيبة الملك، وهي كفيلة بأن تقف سفه الخطاب عند الحد المعقول. (11)

ويشبه هذه المواقف ما أنطق به الرواة الخليفة المأمون في مدح علي بن أبي طالب، وأغلب الظن عندنا أن ذلك مصنوع بأيد هاشمية، وهذا الصنع له دلالته على أي حال، فحماسة الشيعة كانت في البداية حماسة سياسية، ثم انقلبت إلى حماسة روحية، فهم يبدئون ويعيدون في مدح أهل البيت بقلوب غمرها التصوف العميق. (12)

على أن هذه المواقف ليست كل شيء، فهناك شعراء قضوا أعمارهم في الدفاع عن أهل البيت، ولقوا في ذلك من المحن والمكاره ما يدل على نصيبهم من صدق الوجدان، أمثال: الكميت، ودعبل، وأبي الطفيل، وهناك شعراء لم يقفوا حياتهم على هذا الفن، ولكن كانت لهم فيه مواقف موصولة بصدق اليقين، أمثال: الشريف الرضي، ومهيار، وسيكون لهؤلاء مكان في هذا الكتاب. (13)

وهناك شعراء أطالوا القول في مدح أهل البيت، وهم شعراء الدولة الفاطمية، ولكن هؤلاء صدقهم مشوب بروح النفع؛ لأن الفاطميين كانوا أقاموا ملكا عظيما في مصر والمغرب، وانتصارهم كاف لتشكيكنا في عواطف من مدحوهم من الشعراء.

وليس معنى ذلك أن مدح المنتصر يخلو من الصدق، لا، ولكن معناه أنه بعيد من التصوف لأنه متهم بحب النفع، وهيهات أن يقف مثل ابن هانئ الأندلسي في صف شاعر مثل الكميت!

إن أمثال ابن هانئ يمدحون أهل البيت وهم محميون بقوة الفواطم، والمنافع تجري حولهم من كل جانب، أما أمثال أبي الطفيل والكميت فكانوا يمدحون أهل البيت والدنيا من حولهم مظلمة، والأنس في قلوبهم مفقود، فهم أوفياء يائسون، والوفاء من اليائس خلق عظيم.

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ١٨