تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما علمناه الشعر وما ينبغي له ، ثم قال لي: اذهب إلى صاحبك. وأومأ بيده الشريفة إلى ناحية من نواحي المسجد، وأمر رسولا أن يمضي بي إلى حيث أومأ، فمضى بي الرسول إلى ناس معهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له الرسول: أخوك وجه إليك بهذا الرجل فاسمع ما يقوله. قال: فسلمت عليه، وقصصت عليه قصتي كما قصصت على النبي

صلى الله عليه وسلم ، فقال لي: فما المصراع؟ فقلت: «بني أحمد يا بني أحمد» فقال للوقت قل:

بكت لكمو عمد المسجد

بيثرب واهتز قبر النبي

أبي القاسم السيد الأصيد

وأظلمت الأفق أفق البلاد

وذر على الأرض كالإثمد

ومكة مادت ببطحائها

لإعظام فعل بني الأعبد

ومال الحطيم بأركانه

وما بالبنية من جلمد

وكان وليكم خاذلا

ولو شاء كان طويل اليد

قال: ورددها علي ثلاث مرات، فانتبهت وقد حفظتها.

5 (9)

ومن أقوى مظاهر التصوف في حب أهل البيت ما كان يقع من أنصارهم في حضرة معاوية، ومن شواهده ما وقع من أبي الطفيل، وكان معاوية يتشهى أن يراه فلم يزل يكاتبه ويلطف له حتى قدم عليه، فجعل يسائله عن أمر الجاهلية، ودخل عليه عمرو بن العاص ونفر معه، فقال لهم معاوية: أما تعرفون هذا؟ هذا خليل أبي الحسن! ثم قال: يا أبا الطفيل، ما بلغ من حبك لعلي؟ قال: حب أم موسى موسى، قال: فما بلغ من بكائك عليه؟ قال: بكاء العجوز الثكلى والشيخ الرقوب، وإلى الله أشكو التقصير!

قال معاوية: إن أصحابي هؤلاء لو كانوا سئلوا عني ما قالوا في ما قلت في صاحبك!

قالوا: إذن والله لا نقول الباطل.

فقال لهم معاوية: لا والله، ولا الحق تقولون!

6

وحدثوا أن معاوية كان يسمر مع جماعة من بني أمية، فذكر اسم الزرقاء ابنة عدي بن قيس الهمدانية، وكانت شهدت مع قومها بصفين، فقال لجلسائه: أيكم يحفظ كلامها؟ قال بعضهم: نحن نحفظه يا أمير المؤمنين. قال: أشيروا علي في أمرها، فقال بعضهم: نشير عليك بقتلها. قال: بئس الرأي أشرتم به علي، أيحسن بمثلي أن يتحدث عنه أنه قتل امرأة بعدما ظفر بها؟ وكتب إلى عامله بالكوفة، فأوفدها إليه، ثم قال لها بعد الترحيب: أتدرين فيم بعثت إليك؟ قالت: أنى لي بعلم ما لم أعلم؟! قال: ألست الراكبة الجمل الأحمر، والواقفة بين الصفين تحضين على القتال، وتوقدين الحرب، فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين! مات الرأس، وبتر الذنب، ولم يعد ما ذهب، والدهر ذو غير، ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعده الأمر. قال لها معاوية: أتحفظين كلامك يومئذ؟ قالت: لا والله لا أحفظه، ولقد أنسيته. قال: لكني أحفظه، لله أبوك حين تقولين: «أيها الناس! ارعووا وارجعوا، إنكم قد أصبحتم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم، وجارت بكم عند قصد المحجة، فيا لها فتنة عمياء صماء، بكماء، لا تسمع لناعقها، ولا تنساق لقائدها! إن المصباح لا يضيء في الشمس، ولا تنير الكواكب مع القمر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد، ألا من استرشد أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه.

أيها الناس! إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها، فصبرا يا معشر المهاجرين على الغصص، فكأن قد اندمل شعب الشتات، والتأمت كلمة الحق ودمغ الحق الباطل، فلا يجهلن أحد فيقول: كيف وأنى، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ألا وإن خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء! ولهذا اليوم ما بعده.»

ثم قال لها: والله يا زرقاء لقد شركت عليا في كل دم سفكه.

فقالت: أحسن الله شارتك، وأدام سلامتك، فمثلك بشر بخير وسر جليسه.

قال: أويسرك ذلك؟

فقالت: نعم والله لقد سررت بالخبر، فأنى لك بتصديق الفعل؟!

فضحك معاوية وقال: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته! اذكري حاجتك. فقالت: يا أمير المؤمنين، آليت على نفسي ألا أسأل أميرا أعنت عليه أبدا.

7

وحدثوا أيضا أن معاوية حج فسأل عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل بالحجون، يقال لها دارمية الحجونية، وكانت سوداء كثيرة اللحم، فأخبر بسلامتها فبعث إليها فجيء بها. فقال: ما جاء بك يا ابنة حام؟ فقالت لست لحام، إن عبتني، أنا امرأة من بني كنانة. قال: صدقت، أتدرين لم بعثت إليك؟ قالت: لا يعلم الغيب إلا الله. قال: بعثت إليك لأسألك علام أحببت عليا وأبغضتني، وواليته وعاديتني؟ قالت: أوتعفيني؟ قال: لا أعفيك. قالت: أما إذ أبيت فإني أحببت عليا على عدله في الرعية، وقسمه بالسوية، وأبغضتك على قتال من هو أولى منك بالأمر، وطلبك ما ليس لك بحق، وواليت عليا على ما عقد له رسول الله

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ١٧