الثاني: أننا نرجح صحة ما نسب إلى علي في التحميدات والعظات، فإن الذين طعنوا في صحة نثره وقفوا عند المصاولات التي وقعت بينه وبين معاوية بن أبي سفيان.
يضاف إلى هذين الأمرين أن المدائح النبوية التي وقعت في خطب علي لا يظهر فيها تكلف، فهي فقرات افتتحت بها بعض الخطب، وليس فيها قصد إلى مدح الرسول.
ولهذا المنهج أهمية، فسنرى الثناء على النبي يطرد في أكثر الخطب المنبرية، ونكاد نجزم بأن حمد الله والثناء على نبيه صحب الخطب منذ ازدهر هذا الفن على المنابر الإسلامية؛ بدليل أنهم دهشوا لخلو خطبة زياد من الحمد فسموها البتراء.
والمدائح النبوية في كلام علي ذات أفانين، فتارة يثني على النبي وعلى كتابه ويبين ما كان عليه الناس قبل البعثة، فيقول:
أرسله بالدين المشهور، والعلم المأثور، والكتاب المسطور، والنور الساطع، والضياء اللامع، والأمر الصادع، إزاحة للشبهات، واحتجاجا بالبينات، وتحذيرا بالآيات، وتخويفا بالمثلات،
79
والناس في فتن انجذم
80
فيها حبل الدين، وتزعزعت سواري
81
اليقين، واختلف النجر،
82
وتشتت الأمر، وضاق المخرج، وعمي المصدر، فالهدى خامل، والعمى شامل، إذ عصي الرحمن، ونصر الشيطان، وخذل الإيمان ... إلخ.
83
وفي هذا المعنى يقول في خطبة ثانية:
أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الأمم، واعترام
84
من الفتن، وانتشار
85
من الأمور، وتلظ من الحروب، والدنيا كاسفة النور ظاهرة الغرور، على حين اصفرار من ورقها، وإياس من ثمرها، واغورار من مائها، قد درست منار الهدى، وظهرت أعلام الردى، فهي متجهمة
86
لأهلها عابسة في وجه طالبها، ثمرها الفتنة، وطعامها الجيفة، وشعارها الخوف، ودثارها السيف.
87
وفي هذه القطعة يصف علي كيف كانت الحياة قبل بعثة الرسول، ويغلب عليه الفن، فيلون كلامه بفنون من الخيال، ويذكر أن الدنيا كانت كاسفة النور، وأنها كانت مصفرة الورق، وأن ثمرها كان ميئوسا منه، وأنها كانت غائرة الماء، ثم يمضي فيذكر تجهمها وعبوسها، ويجعل من ثمرها الفتنة، ومن طعامها الجيفة، ويقضي بأن شعارها الخوف، ودثارها السيف.
والافتنان في وصف ما كانت عليه الجاهلية من الظلمات سيصير أساسا لأكثر ما يكتب في بيان فضل الرسول، وهذه معان لم يخلقها علي بن أبي طالب، وإنما وضعت أصولها الأولى في القرآن.
وفي مكان آخر يذكر أن النبوة قديمة، تنقلت من صلب إلى صلب حتى وصلت إلى سيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم ، ويقول في وصف الأنبياء:
استودعهم في أفضل مستودع، وأقرهم في خير مستقر، تناسخهم كرائم الأصلاب، إلى مطهرات الأرحام، كلما مضى منهم سلف، قام منهم بدين الله خلف، حتى أفضت كرامة الله سبحانه إلى محمد صلى الله عليه وآله، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا، وأعز الأرومات
88
مغرسا: من الشجرة التي صدع منها أنبياءه، وانتخب منها أمناءه، عترته خير العتر، وأسرته خير الأسر، وشجرته خير الشجر، نبتت في حرم، وبسقت في كرم، لها فروع طوال، وثمرات لا تنال، فهو إمام من اتقى، وبصيرة من اهتدى، سراج لمع ضوءه، وشهاب سطع نوره، وزند برق لمعه، سيرته القصد، وسنته الرشد، وكلامه الفصل، وحكمه العدل.
89
وهذا المعنى سيعتمد عليه مؤلفو «الموالد» وسيذكرون أن نور النبوة تنقل من صلب إلى صلب حتى وصل إلى نبي الإسلام. والاهتمام بطهارة نسب الرسول يرجع إلى العقلية العربية التي تعول كثيرا على طهارة الأنساب، وفي بعض الآثار تنزيه لنسب الرسول عن سفاح الجاهلية، ولهذا معناه في تقدير شرف الأصل.
وعلي بن أبي طالب قد يفتن ببعض المعاني فيعود إليها من خطبة إلى خطبة، ومن حديث إلى حديث، ولننظر كيف يعود فيصف ما كان عليه الجاهليون:
بعثه والناس ضلال في حيرة، وخابطون في فتنة، قد استهوتهم الأهواء، واستزلتهم الكبرياء، واستخفتهم الجاهلية الجهلاء، حيارى في زلزال من الأمر وبلاء من الجهل، فبالغ صلى الله عليه وآله في النصيحة، ومضى على الطريقة، ودعا إلى الحكمة، والموعظة الحسنة.