تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

90

وكلمة «الطريقة» مرت بنا في شعر حسان، وعادت إلينا في كلام علي، وقد أشرنا إلى أنها ستصير كلمة اصطلاحية عند الصوفية.

ولننظر أيضا كيف يعود فيتحدث عن أرومة الرسول:

مستقره خير مستقر، ومنبته أشرف منبت، في معادن الكرامة، ومماهد السلامة، قد صرفت نحوه أفئدة الأبرار، وثنيت إليه أزمة الأبصار.

91

ويصور هذا المعنى بصورة أخرى فيقول:

اختاره من شجرة الأنبياء، ومشكاة الضياء، وذؤابة العلياء، وسرة البطحاء، ومصابيح الظلمة، وينابيع الحكمة.

92

ويمدح النبي

صلى الله عليه وسلم

بالزهد فيقول:

قد حقر الدنيا وصغرها، وأهونها وهونها، وعلم أن الله زواها عنه اختيارا، وبسطها لغيره احتقارا، فأعرض عنها بقلبه، وأمات ذكرها عن نفسه، وأحب أن تغيب زينتها عن عينه، لكيلا يتخذ منها رياشا، أو يرجو فيها مقاما.

93

وهذه النزعة ستكون كذلك أصلا لكثير من المدائح النبوية.

ومما تجب الإشارة إليه الجمع بين الثناء على الرسول والدعاء له ولدينه في قول علي:

أورى قبسا لقابس، وأنار علما لحابس، فهو أمينك المأمون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك نعمة، ورسولك بالحق رحمة، اللهم اقسم له مقسما من عدلك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك. اللهم أعل على بناء البانين بناءه، وأكرم لديك نزله، وشرف لديك منزلته، وآته الوسيلة، وأعطه السناء والفضيلة، واحشرنا في زمرته غير خزايا ولا نادمين، ولا ناكثين ولا ضالين ولا مضلين.

94

وكلمة «الوسيلة» سيكثر ورودها في كلام الصوفية، وهذه القطعة ستكون نمطا لكثير من الأدعية والصلوات.

ولو مضينا نستقري ما في كلام علي من أمثال هذه الفقرات لطال بنا القول، فلنكتف بما أسلفنا من كلامه، فما نريد الاستقصاء، وإنما الغرض أن ندل على ما في خطبه من أصول المدائح النبوية. (12)

والذي يتأمل كلام علي يجده ينتقل من مدح النبي

صلى الله عليه وسلم

إلى مدح آل البيت، وكذلك يفعل الكميت بن زيد الأسدي في قصائده الهاشميات، وسنعود إليها بدرس خاص وندرس معها تائية دعبل، ونشير الآن إلى أن الفرزدق اتفق له أن يقف موقفا يمدح فيه الرسول وعترته، فقد حدثوا أنه حج بعدما كبر وقد أتت له سبعون سنة، وكان هشام بن عبد الملك قد حج في ذلك العام، فرأى علي بن الحسين رضي الله عنهما في غمار الناس في الطواف فقال: من هذا الشاب الذي تبرق أسرة وجهه كأنه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى الحي وجوهها؟ فقالوا: هذا علي بن الحسين.

95

فقال الفرزدق:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم

هذا التقي النقي الطاهر العلم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله

بجده أنبياء الله قد ختموا

وليس قولك من هذا بضائره

العرب تعرف من أنكرت والعجم

إذا رأته قريش قال قائلها

إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

يغضي حياء ويغضى من مهابته

فما يكلم إلا حين يبتسم

بكفه خيزران ريحها عبق

من كف أروع في عرنينه شمم

يكاد يمسكه عرفان راحته

ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

الله شرفه قدما وعظمه

جرى بذاك له في لوحه القلم

أي الخلائق ليست في رقابهم

لأولية هذا أو له نعم

من يشكر الله يشكر أولية ذا

فالدين من بيت هذا ناله الأمم

كلتا يديه غياث عم نفعهما

تستوكفان ولا يعروهما عدم

سهل الخليقة لا تخشى بوادره

يزينه اثنان حسن الخلق والشيم

حمال أثقال أقوام إذا فدحوا

حلو الشمائل تحلو عنده نعم

ما قال لا قط إلا في تشهده

لولا التشهد كانت لاؤه نعم

لا يخلف الوعد مأمون نقيبته

رحب الفناء أريب حين يعتزم

عم البرية بالإحسان فانقشعت

عنها الغيابة والإملاق والعدم

ينمى إلى ذروة الدين التي قصرت

عنها الأكف وعن إدراكها القدم

من جده دان فضل الأنبياء له

وفضل أمته دانت له الأمم

مشتقة من رسول الله نبعته

طابت مغارسه والخيم والشيم

ينشق ثوب الدجى عن نور غرته

كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم

من معشر حبهم دين وبغضهم

المدائح النبوية في الأدب العربي · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المدائح النبوية في الأدب العربيص ١٢