تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إننا لا نحب وطننا أصدق الحب؛ لأن غرامنا به لم يشبه شيء من التصوف والروحانية، وكان ذلك لأن الشعراء لم يخلقوا في قلوبنا ذلك الحب، وكيف يخلقونه وقد غفلوا عن الإشادة بما انتثر من معالم الحب والمجد على ضفاف النيل؟

لقد جلست لحظة منذ أيام في ذهبية، ثم مرت سفينة فانتشيت، أتعرفون السبب؟ لقد طاف بالخاطر حراقات دجلة والفرات التي تغنى بها شعراء العراق.

أكنت أقاسي هذه الغربة الروحية لو أن شعراءنا شوقونا إلى سفائن النيل؟

أتذكرون قول الشاعر العراقي:

يا ليت ماء الفرات يخبرنا

أين استقلت بأهلها السفن

إن هذا البيت أمة من الشعر الجميل، وكان مما يحفظ جميع أهل العراق، فهل تذكرون شاعرا مصريا حبب إلينا النيل على نحو ما فعل ذلك الشاعر في تمجيد الفرات؟

أين مآسينا، أيها الشعراء؟!

أين القصائد التي تصور ما عانته مصر يوم حريق الفسطاط؟

أين الشعر الذي يمثل مذبحة المماليك؟

أين القصص التمثيلية التي ترينا أشباح الليالي السود حين انهزم الجيش المصري في الموقعة التي لم يجف دمها إلى اليوم؟

أين القصائد والرسائل التي تصور عيوبنا الأخلاقية، وقد عانينا صنوف البلايا والأرزاء من شيوع المحسوبية والتزلف والنفاق؟

وأين مواسمنا الغر أيها الأدباء؟

أين القصائد والرسائل والخطب والمؤلفات التي تفصح عن عبقريتنا في مقاومة الخطوب؟

إن صبر الجيش المصري على منازلة الجيش الإنجليزي في معركة فاصلة دامت ثلاث عشرة ساعة هو في ذاته نصر مبين، ولكن أين من يفهم دقائق المعاني في حياة الشعوب؟

دلوني على كاتب واحد استطاع أن يخلق في قومه الشعور بأنهم يعيشون في وطن نبيل؟

دلوني على كاتب واحد عمد إلى الجوانب القوية من زعمائنا وقادتنا في القديم والحديث، فأفصح عنها إفصاحا يجعلها مضرب الأمثال في المشرق والمغرب، على نحو ما صنع كتاب الإنجليز والفرنسيس والطليان والألمان؟

أيها الناس:

إن اللغة لا تكون من مقومات الاستقلال إلا يوم تشغلنا بمخاوفنا وأمانينا، ويوم تصبح من القوة بحيث يكون لها عشاق في المشرق والمغرب، ويوم تطغى في وطنها وتستطيل فلا يكون لها مزاحم ولا منافس ولا شريك.

وخلاصة القول: إن اللغة لا تكون من مقومات الاستقلال إلا يوم يشعر الناس جميعا بأن لها في وطنها سلطانا دونه كل سلطان، يوم يشعر من يدخل ميناء الإسكندرية أو بور سعيد أنه في حاجة إلى مترجم، وأن مصالحه تعطل إن جهلها كل الجهل، على نحو ما يقع لكل وافد يطأ الأرض الفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية.

وأول ما يجب لتحقيق ذلك هو إعزاز اللغة في أنفس أبنائها، وهي لا تعز في أنفسهم إلا حين تغنيهم أو تكاد تغنيهم عن جميع اللغات، حين تصبح لغة العلم والمدنية، فيجد فيها كل طالب ما يسعفه من المراجع في العلوم والفنون والآداب.

لا تكون اللغة من مقومات الاستقلال إلا حين تفي بأغراض الجد والهزل، وتربط أبناءها بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم أوثق رباط، وسيكون هذا مصير اللغة العربية في مصر إن صحت العزائم وسلمت النفوس.

وهذا أمل ليس بالبعيد، فلا تحسبوني من الحالمين.

19

والدين؟

أهو أيضا من مقومات الاستقلال؟

وكيف وفي الشرق والغرب ناس يتحللون من الدين ليعيشوا سعداء؟

هذه فرنسا تحارب رجال الدين، وتحول بينهم وبين مناصب التعليم، ثم تعيش مع ذلك في حرية واستقلال.

وتلك تركيا تقلم أظفار الأشياخ، وتقبل على الحياة المدنية، فلا يزيدها ذلك إلا قوة إلى قوة، واستقلالا إلى استقلال.

ولكن مهلا، فإن تلك الأمم القوية لم تحارب غير الدين المزيف، أما الدين الصحيح فهو بلا ريب من مقومات الاستقلال.

الدين المزيف بلاء يصبه التأخر على الأمم والشعوب؛ لأنه يمنح الكسالى والعاطلين سلطانا خطرا يشل حركة التقدم والنهوض، ورجال الدين المشعوذون لهم سوابق في قتل الحرية، واضطهاد الأحرار، وطمس معالم العلوم والفنون.

اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلال · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلالص ٩