قلتم إن اللغة من مقومات الاستقلال.
فما الذي يمنع من تعريف التلاميذ بالمصاولات الأدبية، التي تتصل بالحياة السياسية؟
ما الذي يمنع من دراسة ما وقع بين رجال الأحزاب؟
ما الذي يمنع من دراسة المناوشات الحزبية التي عرفتها مصر في الثلاثين عاما الماضية؟
ما الذي يمنع من درس ما وقع بين كبار الكتاب من صنوف الجدل وضروب النضال؟
ما الذي يمنع من درس السخرية التي عاناها محمد عبده من معاصريه؟
ما الذي يمنع من درس رسائل عبد العزيز شاويش في نقد سعد زغلول؟
ما الذي يمنع من تقليب الصحف الفكاهية، ودرس ما فيها من النكت اللواذع التي صوبت إلى رجال الأحزاب؟
ما الذي يمنع من درس وطنيات حافظ؟
بل ما الذي يمنع من درس المنشورات التي طبعت في سنة 1919؟
إنني أوصي بخلق الفرص لتشويق التلاميذ إلى درس الأدب الذي يحيي النزعة القومية، ويبعث فيهم روح الشوق إلى حياة الاستقلال.
أقول هذا، وأنا أعلم أن ما أوصي به آت لا ريب فيه، ولكن من الخير أن يعلم أبناؤنا أننا نفكر بعقول المستقلين، وأننا لا نمزح حين نتكلم عن مقومات الاستقلال.
16
ذلك ما نوصي به في التعليم الثانوي، فإذا انتقلنا إلى التعليم العالي، فرضنا على أبنائنا أن يتعمقوا في درس تاريخ الأدب العربي، ورضناهم على تذوق النصوص المختلفة، وانتظرنا منهم أن يكونوا من أعلم الناس بالأدب والتاريخ.
وفي هذه الحال لا يرضيني أن يكتفي أستاذ الأدب بالطواف حول حياة الكاتب أو الشاعر أو الخطيب؛ بل يجب أن يهتم بدرس الصلات بين الأدب والاجتماع، وأن يغري تلاميذه بخوض الحياة - حياة الجد والاقتحام - فتكون لهم مواقف يسجلها التاريخ، على نحو ما اتفق لأقطاب الأدب في العصر القديم.
والأستاذية في مثل هذه الأحوال توجب أن يكون رجال الأدب رجال أعمال، فقد شبعنا من تلك الشخصيات المصقولة، التي تحسن الأسمار والأحاديث، نريد أساتذة مقتحمين مغامرين يشتركون في الحياة النيابية، ويتصلون بأمتهم وتلاميذهم اتصالا قويا له أسباب وأوتاد من حياة المجتمع اللاجب الصخاب.
17
فإذا انتقلنا من الأدب، وتاريخ الأدب في المدارس الثانوية والعالية، تلفتنا نبحث عن الأديب المخلوق لدرس الحياة، ونحن نرجو أن يكون في أساتذة الأدب من يخرج على الذوق المتكلف والوقار المصنوع، نرجو أن يكون عندنا أساتذة يزورون تلاميذهم في بيوتهم، ويرافقونهم في الحفلات والسهرات، ويطوفون بهم على الأحياء الشعبية ليعلموهم كيف تكون الثورة على ما في حياة الشعب من بؤس وشقاء.
نريد أساتذة يربون تلاميذهم على مرافقة العمال والصناع والفلاحين؛ ليكونوا في المستقبل من حملة الأقلام النورانية التي تبدد غياهب الجهل والخمول.
نريد أدبا يبعث في الشعب روح التمرد على الفقر والمسكنة والذل، ويروضه على الطمع الشريف في الغنى والكسب والعزة والكبرياء.
نريد أدبا يطمعنا في استرجاع ما أضاع الزمان من مجد مصر والنيل.
نريد أدبا يرفعنا إلى صفوف الجوارح، نريد أدبا يعلمنا فضل المخلب والناب، نريد أدبا نسيطر به على الدنيا غير باغين ولا عادين.
18
ولن تكون اللغة من مقومات الاستقلال إلا حين تسود في وطنها سيادة قاهرة، فتسيطر على العقول والمشاعر والأذواق، ولا يتم لها ذلك إلا يوم يقوى أدبها ويستفحل، فيشغل الناس بدرس قلوبهم وأهوائهم وأخلاقهم، ويكون له شعراء وكتاب ومحدثون يغزون القصور والأكواخ، ومن الحزم أن نشير إلى وجوب العناية بتربية الشبان على حب وطنهم في ماضيه وحاضره، ولا يكون ذلك إلا بقهر الأدب على تصوير ما مر بمصر من نعماء وبأساء، وما شهدته من أنوار وظلمات، وما يساورها من مخاوف، أو يداعبها من آمال.
يجب أن يوجه الأدباء عنايتهم إلى خلق بيئة أدبية، يكون جدها وهزلها متصلا بحياة الوطن كل الاتصال، يجب أن تكون أحزاننا وأفراحنا، وإسفافنا وتحليقنا، وضلالنا وهدانا، وآلامنا وآمالنا مصورة فيما ننشئ من الرسائل، وما ننظم من القصائد، وما نكتب من المؤلفات، وما نتغنى به من الأناشيد.