أما الدين الصحيح فهو ثروة قومية يجب أن يحرص على تنميتها ساسة الشعوب.
الدين الصحيح حجاز من الزيغ والإفك والبهتان، وهو حين يقوى يصبح من أدق الموازين في ضمائر الأفراد، ويغني الدولة غنى لا يعرف قيمته إلا من يعرف ما للخلق القويم من أثر حميد.
لو كان للدين سلطان على أرواح الناس لانعدمت النمائم والسعايات والوشايات، وانقطعت هذه المجازر البشرية التي يخلقها الدس والاغتياب.
لو كان للدين سلطان على أرواح الناس لما رأينا شهود الزور يضللون القضاء بلا حياء.
لو كان للدين سلطان على أرواح الناس لما استطال الأقوياء على الضعفاء، ولما رأينا ذلك الحقد الذي يبيته الفقراء للأغنياء.
لو كان للدين سلطان على أرواح الناس لقل البغي والعدوان، وعرف كل امرئ قدر نفسه، واطمأن إلى أن الله مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء.
الدين ثروة قومية، وهو عماد من عمد الاستقلال؛ لأنه يصحح ضمير الفرد، والفرد الصحيح الخلق ليس إلا حجرا سليما في بناء القومية.
حدثني بربك ما هذه الملايين التي تعمر وادي النيل؟ ما قيمة هذه الملايين وأنت لا تستطيع الأخذ والعطاء إلا بسند مكتوب؟
اذهب إلى أية محكمة، واحضر جلسة أو جلستين، فإن فعلت فسترى القاضي ينفق أربعة أخماس جهده في فحص المستندات واستجواب الشهود.
أكان يحتاج القاضي إلى ذلك كله لو كان للناس وازع من خلق ودين؟
الله أكبر!
لا يزال من تقاليد القضاة أن يقولوا للشاهد: قل: «والله العظيم أشهد بالحق».
وكم رأينا ناسا يحلفون بالله العظيم، ثم لا يشهدون بالحق!
ما قيمة هذه المخلوقات؟ وما الذي يفرحنا حين نعدهم كل خمس سنين، فنراهم زادوا مليونا أو مليونين؟
ما قيمة هذه المخلوقات وأنت لا تعادي من تعادي، ولا تصادق من تصادق إلا على حذر؟
ما فضل هذه الملايين، وليس فيهم من يعصمه الحياء من الزور، أو يصده الدين عن البهتان؟
خاصم رجلا واحدا، على سبيل التجربة، ثم انظر كيف يقع في عرضك، وكيف يلغ في دمك، وكيف ينسى أنه مسئول أمام الله عما يقترف لسانه النجس الخبيث!
إنك لا تستطيع اليوم أن تعادي أحدا في سبيل الحق؛ لأن الدنيا انقلبت إلى مطامع يترفع عنها الحيوان.
أترونني أظلم قومي؟ أنا لا أظلمهم، وإنما أشرح بلية اجتماعية يشكو منها أحرار الرجال.
تقولون: إن الدين من مقومات الاستقلال؛ فدعوني أشرح كيف يكون ذلك، وأنا أصرح بأن ما نعاني من البلايا الأخلاقية لم يقع إلا بسبب ضعف الدين، ولو كان الناس يؤمنون بأن الله يعلم ما يضمرون وما يعلنون لكف قوم عن إيذاء قوم، وتورع فريق عن الإضرار بفريق.
20
الدين من مقومات الاستقلال.
ولكن أي دين؟
أهو ذلك الدين الذي يتمثله ناس في الصلاة والصيام، واصطناع شمائل النساك؟
لا، لا.
الدين الذي يبني الأمم، هو الدين الذي يهتم أهله أولا وقبل كل شيء بالفضائل الإيجابية.
لا يكفي أيها الناس أن تصلوا وتصوموا، وترسلوا لحاكم، وتكثروا من التسبيح، فهذه فضائل، ولكنها في روحها فضائل فردية.
إن الدين الذي يسند الاستقلال هو الدين الذي صوره الرسول حين قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا.»
الدين الذي يصون الاستقلال، هو الدين الذي يوحي إليك بأن تكون عون أخيك في المغيب، هو الدين الذي يفرض عليك الإيمان بأن عرض أخيك هو عرضك، وماله مالك، وهواه هواك.
هو الدين المضمخ بالنفحات الشعرية الذي يوجب عليك أن تفرح لفرح أخيك، وأن تحزن لحزنه، وإن تقطعت بينك وبينه الأسباب.
هو الدين الذي صوره شوقي حين قال:
مقدونيا، والمسلمون عشيرة
كيف الخئولة فيك والأعمام
هو الدين الذي تتمثل به كل فرد من أمتك، وكأنه إنسان من أهلك.
هو الدين السمح الكريم الذي تغنى به الرسل والأنبياء.
وهذا الدين الذي نتحدث عنه هو الدين الذي يرفع قواعد الاستقلال، وبدونه لا يرفع لأمة بناء.