ولو تحقق هذا الحلم لخلقنا في الجماهير المصرية ذوق القراءة والاطلاع؛ لأن الموظفين في مصر لهم إخوان وأبناء، وهم سيعدون بهذا المرض الجميل من يتصل بهم من سواد الناس.
قد تقولون: وبأي حق نقطع في كل شهر عشرة قروش من مرتب كل موظف؟
وأنا أعترف بأن في هذا حجرا على الحرية الشخصية!
ولكن مصر في هذه السنين تحتاج إلى مثل هذه التدابير، فنحن قوم حديثو عهد بالاستقلال، وللاستقلال مقومات على رأسها اللغة كما تعلمون.
إن اللغة لا تراد لذاتها، وإنما يقصد بها التعليم والتثقيف، ونحن في مصر نحتاج أشد الاحتياج إلى المصلح المستبد الذي يسوقنا سوقا إلى موارد العلوم والآداب والفنون.
أتذكرون ما صنع مصطفى كمال حين حرم لبس الطرابيش؟
لقد عطل نحو عشرة ملايين من الطرابيش كانت تقوم بألوف الجنيهات؛ لأنها لم تعوض إلا بمقادير عظيمة من القبعات.
وأنا لا أدعوكم إلى تبديد قروش الموظفين، وإنما أدعوكم إلى تجميل بيوتهم بنفائس المؤلفات ... أقدموا على هذه المحاولة الشعرية، فإن فعلتم، فستذكرونني ما عشتم بالخير الجزيل.
14
وبجانب هذا الاهتمام بالتكوين الأدبي لجمهور الموظفين، يجب أن نهتم بالتكوين الأدبي لجمهور الشبان، ولا سيما تلاميذ المدارس الثانوية.
وأنا أقترح إلغاء دروس تاريخ الأدب في تلك المدارس؛ لأن تاريخ الأدب لا يفهم إلا بعد درس الأدب، وأكاد أوقن بأن دراسة تاريخ الأدب في المدارس الثانوية ليست إلا ضربا من تضييع الوقت، وإجهاد العقول بلا غناء، وهذا الحكم الصارم لا يؤمن بعدالته إلا من عانى تدريس تاريخ الأدب في المدارس الثانوية، وأنا عانيته نحو عشر سنين، وعرفت ما فيه من البلاء الذي يصب على رءوس الطلاب بغير حساب.
ومن البلية ألا تقدم وزارة المعارف لطلبة المدارس إلا كتابا ألفه جماعة لم يعرف أكثرهم عقلية التلاميذ في المدارس الابتدائية ولا الثانوية، ولا دروا كيف يكون الرفق في مهمة التدريس، وإن كانوا من أعلام الزمان، وكان من العجب أن يفرض على طلبة السنة الثالثة أن يدرسوا تاريخ الأدب كله من عهد امرئ القيس إلى عصر حافظ إبراهيم، وهي دراسة سينمائية، لا يرضى عنها رجل يعرف مهنة التعليم.
وقد خفف البرنامج أخيرا بعض التخفيف، ولكنه لا يزال غير صالح، وإلا فكيف تنتظر من تلاميذ السنة الأولى في المدارس الثانوية أن يدركوا الفرق بين كاتب يغرم بالبديع، وآخر لا يتكلف البديع، وقد عرضت لي هذه المشكلة مع طلبة الليسيه فشرحتها مرات بالعربية ومرات بالفرنسية، ثم صدفت عنها صدوف اليائسين.
إن درس تاريخ الأدب بدعة نقلناها نقلا عن أوروبا، وهي مقبولة هناك؛ لأن الأدب الأوروبي يكثر فيه القصص والتمثيل، وهي موضوعات ألفها التلاميذ؛ لأنهم منذ الطفولة عرفوا القصص وعرفوا التمثيل، فلا يصعب عليهم أن يفهموا الفرق بين فن وفن، وعصر وعصر، وأسلوب وأسلوب.
أما في مصر، فالأدب في جملته يتحدث عن شئون جدية لم يعرفها الشبان من قبل، فمن العسير أن يدركوا كيف تطور واستحال من جيل إلى جيل.
إن تاريخ الأدب لا ينبغي أن يدرس إلا في المعاهد العالية، أما المدارس الثانوية فيدرس فيها الأدب الصرف، مع العناية بشرح النصوص، والبحث عن مواطن الجمال في النثر الجيد والشعر البليغ.
15
درس تاريخ الأدب في المدارس الثانوية جهد ضائع، وسنصبر عليه إلى أن تسوق المقادير إلى وزارة المعارف رجلا حاذقا من بين الذين عرفوا عقلية التلاميذ، وما أظن أننا سنصبر طويلا؛ لأن العناية بإصلاح التعليم تزداد من يوم إلى يوم.
وإلى أن تحذف تلك المادة الفضولية نوصي أساتذة اللغة العربية بأن يتخيروا للمطالعة، والمحفوظات نصوصا لا تخرج عن العصر الحديث؛ لأنه أقرب العصور إلى أذهان التلاميذ، وقربه من أذهانهم يساعد المعلمين على بيان ما يتصل به من الملابسات الخلقية والاجتماعية، ويمكن التلاميذ من فهم ما فيه من أسرار البيان.