تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أريد أن أعرف ما الذي يقهرنا على هذه التبعية العلمية للإنجليز والفرنسيس؟

إن اللغة الفرنسية ليس لها إلا سلطان ضئيل في كلية الحقوق وكلية الآداب، أما اللغة الإنجليزية فتطغى، وتستطيل في كليات الطب والهندسة والعلوم، وما أذكر أن هذا الطغيان كان من التحفظات المشهورة في التاريخ.

لنا عذر واحد: هو الكسل المعسول، الذي ينعم به الخامدون.

ولكن هل يعجز مدير الجامعة عن استئصال هذا الداء؟

إن الوطن ينتظر منه هذه اللفتة؛ لفتة الوالد الحازم الذي يخشى على بنيه من انهزام العزائم وانحلال الطباع.

8 «إن اللغة من مقومات الاستقلال.»

كذلك يقول دولة رئيس الوزراء.

وهذا والله صحيح، ألم تروا كيف يحرص الغاصبون على نشر لغاتهم؟ إن فرنسا في مستعمراتها تنشر اللغة الفرنسية، وإنجلترا في مستعمراتها تنشر اللغة الإنجليزية، وإيطاليا في مستعمراتها تنشر اللغة الإيطالية.

فإذا كان الغاصبون يرون نشر لغاتهم من مؤيدات الاحتلال، أفلا يرى الوطنيون نشر لغتهم من مؤيدات الاستقلال؟

رحمة الله على ألفونس دوديه، فما تذكرت كلمته عن «الدرس الأخير» في «الألزاس» إلا ثارت نفسي، وتجدد إيماني بأن حفظ اللغة هو الأساس في حفظ الاستقلال، ونحن خليقون بأن نأخذ الدرس من غاصبينا؛ لأنهم أساتذة في علم النفس، وإليهم المرجع في تصريف الشعوب.

اللغة - كما قلت لكم - شخصية استقلالية، وهي وحدها من أهم مظاهر الاستقلال، فعضوا عليها بالنواجذ، إن كنتم تعقلون.

9

وما أحب أن تضيع هذه الفرصة بدون أن أذكر سعادة مدير الجامعة المصرية بمسألة خطيرة، تمس الاستقلال، وتلك هي مسألة الرسائل التي تقدم لنيل الدرجات الجامعية.

إن الرسائل التي تقدم لامتحان الدبلوم والدكتوراه يجب دائما أن تكون باللغة القومية، ففي جامعة باريس مثلا، لا تقبل الرسالة الأساسية بغير اللغة الفرنسية، ولو كانت في موضوع يتصل بإحدى اللغات الأجنبية.

أما في مصر، فالأمر بالعكس، تقدم الرسالة إلى الجامعة المصرية بأي لغة أجنبية بدون اعتراض، ولو كانت في صميم الآداب العربية، أو الشريعة الإسلامية، وهي حين تقدم بالعربية يجب أن تكون مصحوبة بخلاصة فرنسية أو إنجليزية، ولو كان أعضاء الامتحان جميعا مصريين.

وقد قاومت هذه البدعة مرات كثيرة في جريدة البلاغ؛ لأن كلية الحقوق جرت في تقاليد الامتحانات العالية على إيثار تقديم الرسائل بلغة أجنبية، واتفق لها مرة أن قبلت رسالة كتبت باللغة الفرنسية عن الدية في الشريعة الإسلامية.

تذكروا أنكم دعوتمونا إلى تقديم ما نشاء من الآراء والمقترحات، فإن كنتم جادين فيما دعوتم، فنحن جادون فيما نقترح، ونحن نرى تقديم الرسائل إلى الجامعة بلغات أجنبية ينافي الحرص على مقومات الاستقلال.

قد تقولون: إنكم تريدون التعرف إلى الجامعات الأجنبية. ونحن نقول: إن لهذا التعرف وسائل كثيرة ، فاختاروا منها ما شئتم، إلا هذه الوسيلة التي تعلن تبعيتكم لثقافة الإنجليز أو الفرنسيس.

أنا أدعو إلى تعديل هذه الفقرة من لوائح الجامعة المصرية، وأوصي بجعل اللغة العربية لغة الرسائل العلمية والأدبية والتشريعية التي تقدم لنيل الدرجات الجامعية.

أترون في هذا الاقتراح شيئا من الشطط؟!

إن سعادة مدير الجامعة يعرف أني على حق، وإلى رأيه الموفق أكل تحقيق هذا الاقتراح النبيل.

10

ولكن ما هي اللغة التي تعد من مقومات الاستقلال؟

أهي اللغة المخدرة التي لا ترى الشمس، ولا يعرفها غير عشاقها المعدودين من كبار الكتاب؟ أهي تلك اللغة الهيوب التي تتعثر في كل حرف، وتسقط في كل فقرة، ويختلف من حولها العلماء في الصباح والمساء!

إننا نريد «لغة من لغات المدنية» نريد لغة يفهمها الفلاح والملاح والنجار والبناء، نريد لغة سخية تسعد أبناءها جميعا بغير حساب، نريد لغة تجمع بين التواضع والجبروت، يرى فيها العوام ما يشاءون من البساطة والجمال، ويرى فيها الخواص ما يريدون من السمو والتحليق، نريد لغة مبذولة على نحو ما يبذل الضوء والهواء، يأخذ منها كل إنسان ما يناسب عينيه ورئتيه، وأنا بهذا أدعو إلى الديموقراطية اللغوية، أدعو إلى تيسير اللغة تيسيرا يقربها من جميع القارئين والسامعين، أدعو إلى القصد في احترام الألفاظ القاموسية، وأشير باحترام ما اصطلح عليه الناس من الألفاظ في مختلف الفنون.

اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلال · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلالص ٤