تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولن تكون اللغة العربية «لغة مدنية» إلا يوم تصبح أداة التفاهم بين جميع الطبقات، ويوم تحترم جميع الألفاظ الاصطلاحية، فترفع تلك الهيبة السخيفة التي يعانيها كل تلميذ يكلف موضوع إنشاء.

وأنا أقترح أن يتصل المؤلفون بالقراء، على نحو ما يتصل الأساتذة بالطلاب، فإن ذلك ينفع أجزل النفع، في تعريف المؤلفين بما يأخذون، وما يدعون، فقد رأيت العجب في حياة التدريس، وعلمت علم اليقين، أن التلاميذ يتهيبون اللغة، ويذهبون ضحية الحذلقة التي يلمسون آثارها فيما يقرءون وما يسمعون.

لقد كنت أجد من بين تلاميذي من يدنو مني في درس الإنشاء ويهمس: يا أستاذ، هل يصح أن أقول: «مشيت وحدي.» - نعم يا بني ، تستطيع أن تمشي وحدك بلا معين.

وكنت أجد من يقول: يا أستاذ، هل «خرجت» كلمة فصيحة؟

نريد أن يقبل الأساتذة والمؤلفون على التلاميذ والقراء، فيفهموهم أن الإفصاح أيسر مما يظنون، نريد أن يفهم الجمهور أن الإفصاح ليس وقفا على المتحذلقين من أساتذة الأزهر ودار العلوم وكلية الآداب.

وأنا مع هذا أومن بأن في كل لغة نوعا من الأرستقراطية الأدبية، ولكني أنكر أن تكون لغتنا في كل مناحيها لغة أرستقراطية، لا يفهمها حق الفهم غير الخواص.

اذهبوا إن شئتم إلى مدينة مثل باريس، وانظروا كيف تنشر على الجماهير بعض الفقرات من خطب الوزراء؛ رحمة الله على تلك الليالي حين كنت أنظر أقوال هريو ودلادييه منشورة بأحرف من نور في أكثر الميادين، وهي في بساطة تذكر بتعابير الأطفال.

اقرءوا إن شئتم مؤلفات أناتول فرانس؛ ذلك الكاتب الفحل الذي حول الفرنسية إلى أحاديث حلوة عذبة لا يدق معناها على أحد من سواد الناس.

إن «البيان» الذي سمعتم عنه لا يعرفه إلا الأقلون من كتاب هذا الزمان، وإلا فأين الكاتب الذي استطاع أن يصل بقلمه اللعوب إلى أفئدة الجماهير من أهل الريف؟

وعلى من يقع وزر هذه النكبة الوطنية؟

يقع وزرها على الأساتذة والمؤلفين، فهم الذين ملئوا أذهان الناس بالوسوسة اللغوية، وحرموهم نعمة الفهم الصحيح.

نحن نريد لغة تشبه لغة القوانين والمعاهدات، نريد لغة محددة الألفاظ، واضحة المعاني، نريد لغة موحدة يخاطب بها جميع الناس بلا تردد ولا تهيب، وهذه اللغة المنتظرة يجهد في خلقها كتاب الصحف اليومية الذين عرفوا بالتجربة أن لهم «زبائن» في جميع البيئات.

11

ويتصل بهذا الغرض إصلاح الرسم، وأنا أدعو إلى التفكير في اختراع حروف جديدة مشكولة، فإن الرسم الذي نكتب به ناقص أبشع النقص، ولن نصل إلى تحرير اللغة من اللبس إلا يوم نطمئن إلى أن الجماهير المختلفة تنطق الكلمات على نمط واحد، فقد اتفق لي مرات كثيرة أن أعدل عن كلمة إلى أخرى خوفا من اللبس الذي يوجبه فقد الشكل، ولو كنت أجد حروفا مشكولة في مثل مطبعة البلاغ لوصلت في الإفصاح إلى ما أريد.

والذي أعانيه من هذا الجهد يعانيه جميع الكتاب، والمهم في هذه المسألة هو إيجاد حروف مشكولة مع القصد في صناديق الحروف، فإن الشكل ليس بمستحيل، ولكنه غير مستطاع في الجرائد بسبب تعدد الصناديق وازدياد نفقات الجمع، وتستطيع الحكومة أن تقيم «مباراة خطية» عسانا نجد من يخترع لنا حروفا مشكولة لا يزداد بها عدد الصناديق.

ولتوضيح هذه المسألة أقول:

إن لحرف الفاء مثلا أربع صور هي: ف، ف، ف، ف.

ولو وضعنا لكل صورة ثلاث حركات لاحتجنا إلى اثنتي عشرة صورة لكل حرف، وبذلك تتعدد الصناديق، وتحتاج كل مطبعة إلى مضاعفة عدد الصفافين، وذلك عبء ثقيل.

وأنا بكل جرأة أدعوكم إلى توحيد الحروف، أدعو إلى الاكتفاء بصورة واحدة لكل حرف، فيكون له وضع واحد في أول الكلمة وفي الوسط وفي الطرف، ثم يصب من كل حرف ثلاثة أشكال فيها الكسر والضم والفتح، مع الاستغناء مؤقتا عن حركات الإعراب.

وهذا الاقتراح يبدو غريبا لأول وهلة، لأنه يذهب بشيء من جمال الخط العربي، ولكن جمال الخط القديم لن يساوي ما نظفر به من الدقة والتحديد في الخط الجديد.

اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلال · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلالص ٥