تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

وتعليم العلوم بلغة البلاد يخلق فينا قوى جديدة، ويدفعنا إلى الترجمة والتأليف، ويرفع عنا إصر الكسل المخجل، الذي يتمتع به أساتذة الكليات، وهو كذلك يرفع عنا هذه الوصمة البشعة، وصمة الفقر في المكتبات، ففي الممالك المستقلة، يرى الإنسان في الأحياء الجامعية مكتبة خاصة بالطب، ومكتبة خاصة بالعلوم، ومكتبة خاصة بالفلسفة، ومكتبة خاصة بالطيران ... وهكذا دواليك، أما في مصر، فلا يجرؤ أحد من الناشرين على إنشاء مكتبة خاصة بعلم من العلوم، وإنما تتجمع العلوم والآداب والفنون والحكايات في مكتبة واحدة، تلتقي فيها قصة القط والفأر بكتاب أرسطو في الأخلاق.

إن فقر مصر في الترجمة والتأليف يقع وزره على رجال الجامعة المصرية، فلو سلكوا مسلك الحزم والجد، وتذكروا أنهم يعيشون في بلد كان وطن المعارف والعلوم، لأقبلوا على لغتهم فاصطفوها، وجعلوها لغة التعليم، وأمدوها بكل طارف وتليد، وتسامت همتهم إلى جعلها لغة الشرق، فعاشوا بفضلها سادة أعزاء.

وفي مقدور سعادة مدير الجامعة أن يشير بهذه التجربة في حزم وجد، وما أظنه يخشى الإخفاق؛ لأن اللغة العربية لها ماض مجيد في الحياة العلمية والطبية، ومن السهل رجعها إلى مجدها القديم، ونحن لا تعجزنا الأصول، وإنما تعجزنا الهمم العاتية، التي تخلق الممالك والشعوب، وليس من الكثير أن نشقى عشر سنين في سبيل تجربة شريفة، نحفظ بها ذكرانا نقية بيضاء على وجه التاريخ.

أقدم يا مدير الجامعة المصرية على هذه التجربة، لتحول أساتذة الكليات إلى طلاب جادين، يشعرون بالعزة كلما تذكروا أنهم يحملون الأحجار لوضع أساس الاستقلال.

7

إن مصر حين تعلم العلوم باللغة العربية، ستفتح أسواقا جديدة هي أشرف الأسواق، وحسبكم أن تتذكروا أن مصر ستصبح بحق زعيمة الشرق، وستكون مؤلفاتها عمدة الباحثين في المشرقين، فيتغنى بذكرها أهل المغرب والشام والحجاز واليمن والعراق.

أتحسبون أن من القليل أن يكون في الخارج مكاتب خاصة بالثقافة المصرية؟

إن من مجد فرنسا وإنجلترا أن يرى الإنسان في مثل القاهرة مكاتب فرنسية وإنجليزية، وتلك من أظهر علائم السيطرة الأدبية، عند من يتمتعون بنعمة الاستقلال.

إن اللغة العربية من أكبر لغات الشرق، ومصر في هذا الزمان على رأس الحركة العلمية في الشرق، ولا ينقصها إلا أن تجعل العربية لغة التعليم في جميع المعاهد، فتقهر الأساتذة على الترجمة والتأليف، وتسوقهم سوقا إلى اجتذاب الأمم الشرقية باسم الأدب الحق، أدب الفكرة والمنطق والفن الجميل.

كيف ندعي شرف الاستقلال، وليس عندنا معجم واحد يسجل تطور اللغة في العصر الحديث؟

كيف ندعي شرف الاستقلال، وليس عندنا مكتبة طبية أو علمية باللغة العربية؟

كيف ندعي شرف الاستقلال، وآثار مصر نفسها لم ينشر عنها كتاب واف باللغة العربية؟

كيف ندعي شرف الاستقلال، وليس عندنا كتاب في القانون خلت صفحة من صفحاته من سطرين، أو ثلاثة بلغة أجنبية؟

كيف ندعي شرف الاستقلال، ولا يستطيع رجل من علمائنا أن يكتفي في أي بحث بالمصادر العربية؟

كيف ندعي شرف الاستقلال، وليس عندنا وزير واحد خلت بطاقته من الكلمات الأجنبية؟

كيف ندعي شرف الاستقلال، والمطبوعات الأجنبية هي أكبر محصول في دار الكتب ومكتبة الجامعة المصرية؟

كيف ندعي شرف الاستقلال، وفي القاهرة والإسكندرية مناطق لا تباع فيها غير الجرائد الأجنبية؟

كيف ندعي شرف الاستقلال، وفي الدواوين أقلام لا تدون ملفاتها بغير الإنجليزية؟

كيف ندعي شرف الاستقلال، ولغتنا منسية في معاهدنا ومدارسنا ومكاتبنا؟ وأخشى أن أقول إنها منسية في دور الوزراء والأمراء وأكثر المتحذلقين من أبناء الزمان؟

إن مدير الجامعة مسئول أمام الوطن، وأمام التاريخ عن هذا البلاء، وفي يده أن يكشف هذه الغمة، وأن يجعل لغة البلاد لغة الدرس والتأليف في جميع الكليات. نعم، يستطيع الأستاذ الجليل أحمد لطفي السيد باشا، أن يجمع أبناءه المخلصين، من أساتذة الجامعة المصرية، ويفرض عليهم اصطناع اللغة العربية في جميع المواد، وعلى الضعيف أو المتخلف أن يستقيل، فإن مصر تعاني أزمة تقض المضاجع؛ لأنها مستقلة رسميا، ولكنها محرومة من أشرف مظاهر الاستقلال.

اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلال · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلالص ٣