3
ومن أمراض الشخصية الاستقلالية في مصر، ما نشهده في المصالح والدواوين من كتابة أسماء الغرف والحجرات بلغة دخيلة تزاحم اللغة القومية، بلا تحرج ولا استحياء، فإن تلك الكلمات تشعرنا دائما بأن لنا في الوطن شركاء، وأن لغتنا لا تملك السيطرة والاستقلال، وقد اتفق أن رأيت في بعض قطارات فرنسا كلمات إنجليزية بجانب الكلمات الفرنسية، فدهشت، ثم سألت عن السر في ذلك، فعرفت أنه لم يقع تلطفا مع الإنجليز، وإنما وقع تألفا للسائحين من الأمريكان، وهو لم يقع إلا في القطارات التي تسيرها الشركات، أما قطارات الدولة فهي كمصالح الدولة، لا تكتب فيها كلمة أجنبية على الإطلاق.
4
قد يقال: وأين نحن من فرنسا؟ ونجيب بأن فكرة الاستقلال خليقة، بأن توحي إلينا التشبه بكرام المستقلين، والذي عرض هذا الموضوع للمباراة لم ينس أن يشير إلى أن للكاتب «مطلق الحرية فيما يبدي من آراء ومقترحات»، وأخشى أن أخون الواجب إن قصرت في تذكير الحكومة بواجبها في الاكتفاء بالكلمات العربية في جميع المصالح والدواوين، ولست أزهد في إرشاد من يفد على دور الحكومة من الأجانب، فأضن عليهم ببعض ما يعرفون من الكلمات، لا، وإنما هي مسألة قومية، لا يفرط فيها إلا من يستهين بما اصطلح عليه الناس من شارات الاستقلال.
ولنفرض أننا نكتب أسماء الغرف والحجرات بكلمات أجنبية لنرشد الأجانب، فكيف يجوز أن نفترض أن الأجانب لا يكونون إلا من الإنجليز؟ إن في الدنيا أمما كثيرة، شرقية وغربية، ولمصر مع الشرق والغرب صلات، فكيف صح عندنا أن الإنجليز هم وحدهم الجاهلون باللغة العربية، وأنهم الخليقون بالعطف والإشفاق؟
ومن المحزن أن هذه البدعة السيئة انتشرت في جميع المدن المصرية، حتى حي الأزهر الشريف، فأمام مسجد الحسين بائع «فول مدمس» زين واجهة المطعم بكلمات إنجليزية.
أتكون الصراحة التي دعانا إليها رئيس الحكومة فرصة لتذكير أولئك الغافلين بأنهم يجرحون القومية ويؤذون الاستقلال!
قلتم: إن التفضيل في المباراة سيكون ل «الرسالة العملية النتائج»، فأسرعوا غير مأمورين بدعوة الموظفين والجمهور إلى احترام اللغة العربية، احتراما يجعلها بلا مزاحم ولا شريك في المصالح والمتاجر والدواوين، ابدءوا أنتم باحترام اللغة في جميع دور الحكومة، وسترون كيف يتبعكم سائر الناس.
5 «اللغة من مقومات الاستقلال؟»
كذلك يقول صاحب الدولة رئيس الوزراء.
إذن ما رأيكم في لغة التعليم؟
إن التعليم عند المستقلين يجب أن يكون باللغة القومية، لغة الآباء والأجداد، ومن العسير أن نجد في الدنيا أمة مستقلة تصطنع في التعليم لغة أجنبية.
أما مصر العزيزة فقد قسمت إلى مناطق؛ منطقة ضعيفة تسود فيه اللغة العربية، وهي المدارس الابتدائية والثانوية، ومنطقة قوية تسود فيها اللغة الفرنسية، وهي كلية الآداب وكلية الحقوق، ومنطقة أقوى تسود فيها اللغة الإنجليزية، وهي كليات الطب والهندسة والعلوم.
ومناصب التعليم في المدارس العالية أكثرها للأجانب، وهي بلية لا تصبر عليها أمة تسمو إلى كرامة الاستقلال.
إن الأمم الحرة لا تعطي مناصب التعليم غير أبنائها، واللغات الأجنبية ذاتها لا يدرسها الأجانب، وإنما يدرسها الوطنيون، ففي فرنسا مثلا أساتذة اللغات الأجنبية كلهم فرنسيون؛ ومن أجل هذا تملك فرنسا طائفة كبيرة من النوابغ في اللغات الأجنبية، أما في مصر، فيندر أن تجد من يتفوق في لغة أجنبية؛ لأننا نتعلم اللغات لغاية محدودة، هي الاستفادة من المؤلفات، ولو كان لنا مستقبل في تعليم اللغات الأجنبية لتبدل الحال غير الحال، وشعر شبابنا بأن لهم مصالح يخلقها التفوق في اللغات، وكان ذلك حجرا في بناء الاستقلال.
لا أريد أن يجرفني الاستطراد، فلأرجع مسرعا إلى ما كنت فيه، وأنا أقرر أن لغة التعليم في كليات الجامعة المصرية يجب أن تكون العربية، وأقول بصراحة: إن اللغة الإنجليزية لم تسد في كليات الطب والهندسة والعلوم لسبب معقول، إنهم يزعمون أن اللغة العربية تعوزها المصطلحات العلمية، وهذا وهم، أو هو عجز يستر بهذا الوهم المصنوع، فالمصطلحات العلمية لم تكن مما تفردت به الإنجليزية أو الفرنسية؛ وإنما هي ألفاظ، نحتت نحتا من اليونانية واللاتينية، وفي مقدورنا أن نأخذها كما أخذوها، بعد أن نصقلها صقل التعريب، فتضاف إلى اللغة القومية.