هذا حق.
ولكن احذروا خطر الفرقة والشقاق.
إن مهمة المصلح في هذا العصر هي التوفيق بين هاتين الطائفتين، ولعل التوفيق المنشود يمزج بين ما تنافر من التقاليد، فيصل بنا إلى تقاليد جديدة تجمع بين حدة الغرب ورفق الشرق، ويومئذ نشعر بأننا بنينا صرحا من حميد العادات نصون به الاستقلال.
ومن المؤكد أننا خطونا في هذا السبيل بعض الخطوات، فعندنا أساتذة يدرسون في الأزهر وفي الجامعة المصرية، وهؤلاء الأساتذة يوفقون بين العقليتين من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
ومن عجيب المصادفات أن أكثر الذين يؤثرون في طلبة الجامعة في الأصل أزهريون، وأن الأساتذة الذين يؤثرون في طلبة الأزهر أكثرهم جامعيون.
ومن هنا نعرف أن التوفيق بين العقليتين تسوقه الظروف بلا عناء، وأن الأمل في وحدة التقاليد ليس بعيدا إلى الحد الذي توهمناه منذ لحظات.
40
أقول هذا وأنا أعرف أن الأزهر ينفر نفرة شديدة من التقاليد الجديدة.
ولكن أي «أزهر»؟ هو الأزهر الذي يتمثله فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي، الذي يكره أن يقيم الأزهريون أندية رياضية، ويأبى عليهم أن يتبذلوا في ملابس اللاعبين، كما صرح في حديث نشرته جريدة البلاغ.
ولكن الأستاذ الأكبر يعرف جيدا حكم الزمن في تطور التقاليد؛ ولذلك رأيناه يعلن أنه لا يعارض في اشتراك الأزهريين في الأندية الرياضية، ما داموا بعيدين عن حرم الأزهر الشريف.
والحق أن الأزهريين يتحرقون شوقا إلى الاندماج في البيئات المدنية، وسيفضي بهم ذلك الشوق إلى إحدى اثنتين؛ الفناء في تلك البيئات، أو النفرة منها نفرة أبدية يعلنون بها حربا لا صلح بعدها ولا سلام، وفي التقاليد عداوات تشبه عداوات الأجناس.
وقد اتفق لطلبة الأزهر أن مثلوا رواية مجنون ليلى منذ شهرين ليتم لهم ما يريدون من التشبه بطلبة الجامعة المصرية، ولكنهم وقعوا في خطأ سخيف حين مثل أحدهم «ليلى» بلا تحرج ولا حياء.
وما أحب أن أستقري الشواهد على صحة ما أذهب إليه من سعي الطبقات المختلفة بعضها إلى بعض سعيا حثيثا سينتهي بالتلاقي أو الاقتراب.
وكل ما أرجوه أن نظفر من هذا كله بمزاج جديد من التقاليد نصون به الاستقلال، ونأمن به عدوان الفرقة وطغيان الشقاق.
41
ولكن كيف يرى فضيلة الأستاذ المراغي أن طلبة الأزهر يخرجون على الوقار حين يلبسون ملابس اللاعبين؟ وكيف يسكت سعادة لطفي السيد باشا عن ذلك، فلا يصون طلبة الجامعة من التبذل حين يخلعون ملابسهم، ويلبسون أقمصة الألعاب؟
ألا ترون في مذاهب هذين العاهلين شيئا من التنافر والتضاد؟
إن هذه الظاهرة في اختلاف الآراء ترشدنا إلى مسألة خطرة في حياة العادات، هي اختلاف الأزياء، ولا بد لنا من معركة فاصلة نصير بها إلى زي موحد، ونقضي بها على أصل الخلاف بين مذاهب التقاليد في الحياة المصرية.
إن أقمصة الألعاب لا تهتك وقار الأزهريين إلا لأن الناس لم يتعودوا رؤية رجال الدين في غير العمائم والجبب والقفاطين.
وليس هناك تعليل معقول غير اختلاف الأزياء، ولو صارت الأزياء إلى أنماط موحدة لما كان هناك ما يوجب الشعور بالوحشة من انضمام الأزهريين إلى صفوف اللاعبين.
وقد سمعت أن تركيا لا تبيح لرجال الدين أن يلبسوا الملابس الإفرنجية، أو هي لا تبيح الملابس الشرقية لغير رجال الدين.
وهذه فيما أعتقد تقاليد نصرانية؛ لأن النصرانية تعترف بهيئة الكهنوت، أما الإسلام فلا يعرف ما يسمى بالطائفة الدينية، كما بين سعادة الأستاذ لطفي السيد باشا في مقال نشره في «الجريدة» منذ أكثر من ربع قرن.
فما الذي يفرض علينا أن نعتبر الأزياء الشرقية أزياء دينية؟
وما الذي يوجب أن يظل الأزهريون محبوسين في ملابس يحاربها التمدن الحديث!
وما الذي يمنع من توحيد الأزياء في هذه البلاد ليكون ذلك تمهيدا لتوحيد التقاليد؟