تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واصطراع التقاليد في مصر يضيع على أهلها كثيرا من الجهد والوقت، وأكاد أجزم بأن في كل بيت جيلين يقتتلان، فالشاب الذي يشاهد الأشرطة السينمائية، ويرى فيها ما يرى من تقاليد أهل الغرب في حياة الاجتماع، هذا الشاب لا يتأتى له الانسجام مع أهله وذويه في أكثر الأحيان.

ولا يمكن الغض من قيمة هذه النظرة، ولا ادعاء أنها خيال كاتب يتوهم ما لا يكون، فقد أنفقنا من الورق والمداد ما يقدر بالألوف من الجنيهات في سبيل الجدل حول السفور والحجاب، وقضينا سنين نختصم حول ما يقدم إلى البنات من العلوم، وسنقضي أعواما كثيرة في نضال إلى أن نتفق على ما تجب مراعاته من محمود التقاليد.

ومعاذ العقل أن أنتظر أن تخلو الدنيا من الشغب حول المبادئ والآراء، ولكن لا مفر من التنبيه إلى أننا جاوزنا حد المعقول من الخلاف.

على أنه لم يكن بد من وقوع ما وقع، فقد أرسلنا إلى أوروبا بعثات علمية، واضطررنا اضطرارا إلى نقد ما كنا عليه من شتى التقاليد.

وأنا أطلب المستحيل حين أوصي بفض هذا الخلاف، فهو خلاف يوجبه ظرف الزمان والمكان، ولن تستريح مصر إلا يوم تنحاز انحيازا تاما إلى إحدى المدنيتين؛ الشرقية، أو الغربية، وأعتقد أن هذا أمل عزيز المنال، ففي مصر قوتان؛ قوة الجامعة المصرية، وقوة الأزهر الشريف، والجامعة المصرية لن تسكت أبدا عن الدعوة إلى المدنية الغربية؛ لأنها أنشئت لذلك، ولأن فيها قوى أدبية من الأساتذة الأجانب، وهم ينقلون إليها تقاليد الغرب بلا انقطاع، ويزيد في خطر الجامعة المصرية أنها أمنية قومية، وأن مصر تحتاج بالفعل إلى مدد من الحيوية الغربية.

ويزيد في هذا الخطر تشوف الشبان إلى أدب أهل الغرب، وشوقهم إلى الجري في ميادين جوت وبيرون ولامرتين، وقد جروا في ذلك أشواطا يعرفها كل من يتلمس أخبارهم في حياة المجتمع، وينظر ما درجوا عليه في مذاهب الفكر والمعاش.

والأزهر لن يسكت أبدا عن الدعوة إلى المدنية الشرقية، ولن يكف أهله عن التذكير بمجد الأسلاف.

ويزيد في خطر الأزهر قرب أهله من قلوب الجماهير الشعبية، وقدرته على بث الحبائل، والأشراك للمدنية الغربية.

وقد ظن ناس أن الأزهر انهزم، وأن مدنية الغرب لن تتركه يعيش، ثم تبينوا بعد لأي أنهم كانوا واهمين، وأن الأزهر نسج شبكة من الوعاظ سيطر بها على الناس في أرجاء البلاد.

38

إذن لن نصل إلى وحدة التقاليد ما دام في مصر جامعتان لا تلتقيان، وكيف تلتقيان، وقد فصل بينهما النيل؛ فقامت إحداهما على الضفة الشرقية، وقامت أخراهما على الضفة الغربية، واختلاف المواطن يؤذن باختلاف الأرواح!

لا تحسبوني أمزح، فأنا أوقن بأن هاتين الجامعتين ستعيشان متعاديتين، وستظلان من أسباب الفرقة في العادات والتقاليد، وسيظل الأزهري يشعر بالغربة حين يدخل الجامعة المصرية، والجامعي يشعر بالغربة حين يزور الأزهر الشريف.

فما الذي نصنع لصيانة الاستقلال من زوابع هذا الخلاف؟

أعتقد أن خير الوسائل لذلك هي الدعوة إلى سعة الصدر ومرونة العقل، ومن الممكن أن نروض الجيل الجديد على فضيلة التسامح، ونربيه على فهم الواقع، والاطمئنان إلى أن الله لم يخلق الناس أمة واحدة، وإنما لون فيهم وصنف لحكمة يدركها العاقلون.

يجب على أولي الرأي أن يحسموا الخلاف بين هذين الجيلين اللذين يعيشان في بلد واحد، ويصبغان العادات والتقاليد صبغات مختلفات الألوان، ويخلقان الشغب والقلق في كثير من الطبقات، ويردان الأمة إلى جيشين يصطرعان.

وكل خطوة في هذا السبيل تصون بناء الاستقلال من معاول الهادمين.

تذكروا هذا أيها المصلحون، واعلموا أن لا نجاة لهذا البلد إلا بمحو العصبية التي تشب نارها من حين إلى حين بسبب اختلاف التقاليد.

39

وأنا مع هذا أعترف بأن اختلاف الناس في العادات يخلق بينهم ضربا من المباراة في الحياة العقلية والخلقية، ويحض كل فريق على السبق، ويسوقه سوقا إلى ميادين النضال.

اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلال · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلالص ١٦