تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد ظهرت طلائع الثورة على الأزياء الشرقية منذ عشرين سنة، فلبس الملابس الإفرنجية مشايخ مشهورون جدا، أذكر منهم طه حسين، وعلي عبد الرازق، وأحمد أمين، وأذكر منهم صديقنا الشيخ زكي مبارك الذي لا أتصور اليوم كيف كان يلبس الجبة والقفطان!

ومنذ عشر سنين قامت ثورة في دار العلوم حار في قهرها رجال المعارف، وانتهت باصطناع أساتذة اللغة العربية الملابس الإفرنجية.

ومنذ سنتين فكر معلمو المدارس الإلزامية في هجر الملابس الشرقية، فقاومهم وزير المعارف الأسبق معالي الأستاذ حلمي عيسى باشا.

ومنذ تسع سنين فكر طلبة الجامعة المصرية في لبس القبعات، فقاومهم سمو الأمير عمر طوسن، والمغفور له سعد باشا زغلول.

ومن كل ما سلف نعرف أننا نعاني أزمة من أزمات التقاليد، هي مسألة الأزياء.

فما أنتم صانعون يا رجال العصر الحديث؟

حدثوني ماذا تصنعون؟ أتحاربون توحيد الأزياء، فتنهزمون كما انهزمتم يوم ثورة دار العلوم؟ أم تصطنعون الرفق فتتركون التطور يأخذ مجراه وتنجون من الاصطدام بصخرة التمدن الحديث؟

أحب أن أعرف ما أنتم صانعون، فإن الحياة حركة، والويل كل الويل للواقفين!

42

ما لنا نبعد عن قصد السبيل؟ نحن نتكلم عن العادات باعتبارها من مقومات الاستقلال، فلنعترف أولا بخطر التطور، ثم لنجزم بأن المنفعة القومية تأبى مقاومة ما ليس منه بد، فلم يبق إلا أن نبذل ما نستطيع في رعاية التطور بحكمة وعقل، فلا نقاومه ولا نشجعه، ولا ننهي عنه ولا ندعو إليه، وإنما نترك الأمة تتقبل وحي العصر في رفق ولين، فتأخذ ما يزيدها حيوية، وتصدف عما يفل من قيمتها الذاتية ... وهل كانت العمائم التي يلبسها الأزهريون عربية؟ إنها قبطية، ولكنهم لا يعلمون!

ونحن بهذا الحياد نضمن للأمة سلامة تنفعها في المعاش، فلا نبدد قواها فيما لا يفيد.

واسمحوا لي أن أنص بصراحة على أن التمسك بالتقاليد القديمة من سمات الضعف، ولا يتغنى بالقديم ويحرص عليه بلا تعقل غير الضعفاء.

فأقبلوا على تقاليد العصر الحاضر بلا خوف، إلا أن يكون فيها ما ينافي الأدب الحق والدين الصحيح.

ولكن احذروا الوقوع فيما يقع فيه المتطرفون، فإنكم أضعف من أن تحتملوا ما وقع بالأمم العاتية التي ثارت ثورة عنيفة على مأثور التقاليد، وهل تحتملون ما احتملت الأمة الروسية والأمة التركية؟

والمهم أن تفهموا أن التقاليد لا تراد لذاتها، وإنما تراد لما فيها من نفع، فاجعلوا المنفعة القومية رائدكم فيما تأخذون وما تدعون، والله يهديكم سواء السبيل.

أما بعد

فقد آن للقلم أن يستريح بعد هذه الأشواط، وكنت رأيت أن أشترك في «المباراة الأدبية» لأجرب العدل في وطني مرة بعد أن جربته ألف مرة، وأنا لا أستبعد أن أفوز في المرة الأولى بعد الألف، فمثلي لا ييأس من العدل في وطنه وإن تغطرس الظلم واستطال.

أما الآن - وقد رأيت كيف هداني الله إلى رياضة هذا البحث الجموح - فإني أرد القلم إلى غمده مطمئنا بعد أن رأيت كيف جال بفضل الله جولة الجياد.

وحسبي من الفوز أن يعترف سعادة مدير الجامعة المصرية بأن فراسته لم تخب في تلميذه القديم.

اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلال · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلالص ١٨