وأنا أوصي بالرجعة إلى ذلك التقليد الجميل؛ لأن له مزايا في تقريب القلوب بعضها من بعض، ولأنه يشعر بالأخوة الروحية والوطنية، ويخلق للرجل ألوفا من الإخوان.
أنت في هذا الزمن لا تواسي غير من تعرف، فلو رأيت مأتما في طريقك لتحاميت الذهاب إليه، إلا أن يكون أهله من المعارف والأصدقاء.
ولم يكن الحال كذلك في العصر الخالي، فقد كان من الواجب على الرجل أن يمشي في كل جنازة، وأن يواسي كل محزون، وألا يخص ببره أصدقاءه وعارفيه، وكان من عادات الناس أن يصافحوا كل من يلقون في أيام الأعياد، وأن يتبادلوا التهاني وإن التقوا بلا معرفة على ظهر الطريق.
ولست في حاجة إلى توكيد القول بقيمة هذا التقليد في ربط الأواصر القومية، فهو أوضح من أن يحتاج إلى بيان.
34
وتظهر قيمة ذلك التقليد الحميد إذا تذكرنا تفاهة ما صرنا إليه في تحيات الأعياد، فعهدي بالمصري الحديث يركب سيارة ويطوف بأحياء المدينة، فيترك لكل صديق بطاقة ثم ينصرف من دون أن يرى أحدا، ونسي الناس قيمة المصافحة والتقاء الأعين والقلوب.
قد تعتذرون بأن الشواغل كثرت، وصار الوقت أضيق، ولكن ما رأيكم في أننا غلونا في ذلك غلوا صار بنا إلى السخف، والعياذ بالله من قلة الذوق!
ألا تعرفون أن ترك البطاقة عند البواب في أيام الأعياد صار أقوم من التحية بالتليفون؟
ألا تذكرون أن التحيات الموسمية لم يعد لها قيمة إلا في حساب مصلحة البريد؟
ألا تذكرون أن المجاملات الواجبة صارت في صميمها أعمالا آلية، لا تغني ولا تفيد؟
وما قيمة هذه المتاعب في وصل القلوب؟
ما قيمة البطاقة الصماء التي تمزق بعد نقل العنوان؟
ما قيمة الأعياد إن لم نتنسم بها أرواح الأنس بتجديد الصلات؟
لقد كان الناس يهتمون بالعيد، فينظمون القصائد، ويحتبرون الرسائل، حين يعز عليهم التلاقي، أما اليوم، فقد اكتفينا بالإشارات الدبلوماسية التي نقلناها عن أهل لندن وباريس، وفاتنا أن لكل بلد تقاليد، وأن ما يحسن هنا قد يقبح هناك.
35
وكان من عاداتنا أن نقيم السهرات في البيوت، أما اليوم، فقد انتقل السامر إلى القهوات.
وليتكم تعرفون أي أنس فقدنا منذ حرمنا المنازل بهجة الأسمار، والأحاديث؟
ليتكم تعرفون خطر ما نعاني من التبذل بالجلوس في المشارب والقهوات؟
ليتكم تعرفون كيف خفت موازين الناس منذ نفروا من هيبة العرين؟
لقد كانت ليالينا كلها مواسم تشبه ليالي رمضان، فصرنا لا نتلاقى إلا في أندية تثقلها الكلفة، ويعوزها الأنس، وينقصها الصفاء.
كانت بيوتنا منتديات روحية يعرف بها أطفالنا من نألف ومن نحب، فأصبحت مقفرة موحشة، وأصبح الصديق لا يلقى الصديق إلا سأل: أين تسهر، وكيف نراك؟
والويل كل الويل لمن يحدث أبناء الزمان بأنه لا يسهر إلا في البيت، وأنه يكره التبذل في المشارب والقهوات.
وازنوا بين الحالين، وانظروا أي المذهبين أفضل في بناء الاستقلال.
36
والحرص على التقاليد يعد بابا من الحرص على التراث القومي؛ لأن التقاليد الصوالح لم تكن إلا ثمرات لجهود الألوف من المصلحين في مختلف الأجيال، وما نراعيه من الآداب في غدواتنا وروحاتنا، وأفراحنا وأحزاننا، ليس إلا دروسا تعب في نشرها الأسلاف، والعاقل يحرص دائما على الأساس السليم الذي تركه الأجداد، ويبني عليه في اطمئنان، ولا يفكر في زعزعة التقاليد إلا من يجهل ما سيحتاج إليه من الجهد في تعويض الأدب المفقود.
فرعاية التقاليد تنفع من وجهين:
تنفع لأنها سناد حيوي في صيانة المجتمع.
وتنفع لأنها توفر علينا جهودا كثيرة حين نفكر في تعويضها بآداب جديدة.
وليتذكر القارئ دائما أنني أعني التقاليد الصوالح، أما التقاليد الفواسد فحربها من أهم ما يعنى به المصلحون.
37
ولا ينبغي أن ننسى الإشارة إلى مقام مصر الحديثة في عالم التقاليد، فهي اليوم تعاني أزمة لم تعرفها من قبل؛ لأن مصر ليس فيها جمهور واحد، وإنما هي جماهير كثيرة ينظر بعضها إلى بعض نظرات مختلفة لا تخلو من قلق وامتعاض.