تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن ما هو المجتمع المثقف الذي نعتمد عليه في بناء الاستقلال؟

أهو تلك الفئة القليلة الضئيلة التي تمضغ الأخبار في القهوات، ولا تصلح لإقامة مصنع أو متجر أو مزرع، ولا تقوى على مواجهة الخشونة في حياة الجندية؟

المجتمع الشعبي هو الأصل، فلنرض أبناءنا على فهم ما فيه من قواعد وأصول، وهو لا ينهض إلا على أساس الدين.

29

وهذا يفرض علينا أن نفكر جديا في مصير التربية الأزهرية، فإن الأزهريين لهذا العهد لم يعد يهمهم أن يتصلوا بالحياة الشعبية، فقد انتهبوا كلمة «المستقبل» من تلاميذ المدارس، وأخذوا يترقبون حظوظهم في المصالح والدواوين، وذلك من أهم المقاتل في حياة الاستقلال.

لقد آن للأزهر أن يعرف واجبه، آن للأزهر أن يفكر في استرجاع سلطانه الذي ضاع.

أين الأيام التي كان يحتفل فيها الأهالي بقدوم الأزهري الصالح الذي يحدثهم عن الله والرسول؟

أين الدروس التي كنت أشهدها ، وأنا طفل بعد صلاة العصر في رمضان؟

أين الآمال الحلوة التي كنا نسمعها من العلماء عن مصير الصالحين؟

أين، أين تلك الوسوسة الخلقية الظريفة التي كانت تنتاب من يخرج على بعض آداب الصلاة أو الصيام؟

أين الزواجر التي كان يرتعد من هولها من يقترفون إثم النميمة والاغتياب؟

أيها الناس!

أنا أشتهي أن أومن، فخذوا بيدي موفقين إلى رحاب الدين، الدين السليم من أوضار الشرك والرياء.

30

والعادات؟ أهي أيضا من مقومات الاستقلال؟

نعم، العادات من مقومات الحياة في الممالك والشعوب، ولكن كيف؟ إن ذلك يحتاج إلى تفصيل.

ولنبدأ، فنذكر أن العادات كلمة قديمة كان يسميها ابن خلدون عوائد، وهي اليوم تعرف باسم التقاليد، ويكاد العرف الحاضر يفرق بين اللفظتين؛ فالعادات للأفراد، والتقاليد للجماعات والهيئات، فالعادات شخصية، والتقاليد جماعية.

ويغلب على الظن أن الذين وضعوا العنوان تحاموا كلمة التقاليد عامدين لسبب طارئ لا يخفى على اللبيب.

ولكن نحن لا نرى بأسا من الحرص على كلمة «تقاليد» لأنها في العرف الحاضر تنفرد بمدلول خاص، وسيقول الناس «تقاليد جامعية» و«تقاليد دستورية» وإن تحاماها من فرضوا هذا العنوان.

31

والعادات تميز الأمم بعضها من بعض، وهي من أجل ذلك تعد سمة شخصية، والسمات الشخصية من أظهر الدلائل على حيوية الشعوب.

ولنداعب الموضوع قليلا، فنذكر أن لكل أمة أذواقا في الطعام والشراب، ففي مدينة باريس مثلا يرى المتطلع مطعما تركيا، ومطعما نمسويا، ومطعما صينيا، ولكنه لن يجد مطعما مصريا؛ لأن المصريين ليس لهم مذاهب في الطعام والشراب، وأكاد أجزم بأن مصر لا تنفرد في أطعمتها بغير البصارة والفول المدمس والفطائر - فطائر المواقد والأفران.

ويحار الشاب المصري حين يفكر في إنشاء مطعم بمدينة أوروبية؛ لأن مطعمنا اندمج في المطعم التركي منذ أجيال، ولم تبق لنا خصائص، حتى في أواني الطعام والشراب، ولنا في ذلك عذر مقبول، فإن موقع مصر الجغرافي جعلها ملتقى الوافدين من الشرق والغرب، وفرض عليها الأخذ من كل مدنية بنصيب.

وإنما خصصت هذا الجانب بهذه الفقرة لأدل القارئ على قيمة الخصائص الذاتية، ولأستطيع التحدث عما تعود الناس في هذه البلاد.

32

وما قلته عن الدين أقوله عن العادات، فالعادات لا تكون من مقومات الاستقلال إلا إذا كانت صوالح، أما العادات السيئة فهي من أسباب الانحلال.

والمهم في العادات الصوالح أن تصبح قوانين، وألا يخرج عليها إلا المفسدون، ومتى تأصلت العادات الصوالح وأصبحت رعايتها قانونا قوميا شعر الناس بقوة في حيويتهم الذاتية، وأصبحوا بفضلها كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وكان حرصهم عليها من مقومات الاستقلال.

33

كان من عادات المصريين أن يبدأ بعضهم بعضا بالتحية على الطريقة الإسلامية.

أما اليوم فقد انقرض هذا التقليد الحميد، وأصبح المؤمن لا يحيي المؤمن إلا إذا سبق التعارف، وتلك عادة نقلناها عن الأوروبيين، وحملنا وزرها الثقيل.

اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلال · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلالص ١٤