إن أكبر ما يعاب به أهل مصر هو موقفهم موقف المتفرجين في أيام الشقاق، ولو عرفوا أن دينهم يوصيهم بإصلاح ذات البين لوقوا مصر كثيرا من أسباب الفتون.
إن الدين من أهم القوى في خلق التماسك الاجتماعي، والتماسك الاجتماعي أهم ما يحفظ به بناء الاستقلال.
26
وليس هذا كل ما يصنع الدين في بناء الممالك والشعوب، فهناك مزية أساسية هي خلق الشجاعة في نفوس الناس.
الشجاعة؟
أي شجاعة؟
نعم، الدين يخلق الشجاعة في النفوس، ولولا الإيمان بعدل الله ورحمته لتهدمت عزائم، وتحطمت قلوب، وانطفأت أرواح.
إن الرجل المؤمن يلقى المكاره باسما ، ويوقن في كل لحظة بأن الشر لا يطارده إلا لحكمة سامية، وبذلك يظل سليم القلب والوجدان، فيحيا حجرا سليما في بناء الاستقلال.
الرجل المؤمن لا يتهيب العيش؛ لأنه يعرف أن الرزق بيد الله، وتهيب العيش محنة خلقية ابتلي بها شبان هذا العصر، فانصرفوا عن الزواج فرارا من الذرية التي تعرضهم - فيما يزعمون - للفقر والإملاق.
نريد لمصر جيلا مؤمنا يغامر وهو متوكل على الله، فينتصر وهو شاكر، أو ينهزم وهو صابر.
نريد جيلا يؤمن بأنه مسئول أمام الله قبل أن يكون مسئولا أمام الناس.
نريد جيلا يبحث أولا عن الحق، ثم يقدم إقدام الشجعان، واثقا بأن النصر نصيب المؤمنين، وأن العاقبة للصابرين.
نريد جيلا يستهين بطغيان الطاغين، وكيد المفسدين، ولؤم الحاقدين؛ لأنه يؤمن بأن الله أكبر، ويوقن بأنه سيمن على الذين استضعفوا في الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين.
والشجاعة التي يخلقها الدين في القلوب هي أساس كل خير، فإن الرجل الذي لا يملك زمام نفسه في حياة البيت، لا يصلح جنديا في الجيش، ولا يمكن لمن عجزوا عن سياسة أنفسهم أن يصلحوا لسياسة أمتهم، ومن عجز عن الكفاح الشريف في سبيل الرغيف، لن يقوى أبدا على الجهاد المشروع في سبيل الوطن الغالي.
وكيف يصان الاستقلال إن لم تحطه عزائم بنيت على الإيمان الصحيح، الإيمان بأننا لم نخلق عبثا، وأن النضال في سبيل المجد الروحي والوطني من أشرف الغايات في الوجود؟
27
ومصر من أقدر الأمم على تقوية العقيدة الدينية، ففيها الأزهر الشريف، وعندها من رجال الدين ألوف وألوف.
أفأستطيع أن أقول كلمة عن واجب الأزهر الشريف؟
ما أحسبني أخرج عن الموضوع، فإن لجنة التحكيم دعت إلى إبداء ما عندنا من آراء ومقترحات، وأنا أعوذ بالله من الفضول.
الأزهر يستطيع أن يضاعف جهده في خدمة اللغة والدين.
يخدم اللغة لأن في إذاعة النصوص الإسلامية خدمة لغوية، وليس من الإسراف أن نحكم بأن حياة اللغة بين الأهلين ترجع إلى حفظ القرآن، وتلاوته في المآتم والأفراح، وللمدائح النبوية فضل في إذاعة النصوص الأدبية والألفاظ اللغوية ، فإن المنشدين الذين يتغنون بمدح الرسول تركوا في أذهان الناس مئات من الصور الشعرية، وعلموهم كثيرا من طرائق التعبير، وأمدوهم بكثير من المعارف في حوادث التاريخ.
فما الذي يمنع من إنشاء لجنة أزهرية للمطبوعات الدينية؟
ما الذي يمنع من نشر مجموعة لطيفة نذيع بها نحو ألف حديث من كلام الرسول، ونطبع منها ملايين توزع بثمن يقدر عليه جمهور الفقراء؟
ما الذي يمنع من نشر مجموعة تحوي أروع الأخبار، أخبار الصديقين والشهداء؟
وما الذي يمنع من اختيار طائفة من الأحاديث والآثار تكون مادة للمطالعة في المدارس الابتدائية والثانوية؟
28
وبهذه المناسبة أصارحكم بأن الصلة كادت تنقطع بين الأزهر ووزارة المعارف؛ بل هي انقطعت فعلا منذ أعوام طوال، وأخشى أن تكون هذه القطيعة بداية العداوة بين الحياة المدنية والحياة الدينية، وهي عداوة خطرة العواقب، ومن واجبنا أن نتقي شرها منذ اليوم.
وأنا أقترح أن يلحظ في التلميذ أنه سيكون عضوا في المجتمع الشعبي، قبل أن يكون عضوا في المجتمع المثقف، والمجتمع المثقف قد لا يضيره أن يجهل أصول الدين؛ لأن حياته في الأغلب موصولة بالمدنية الغربية التي تناست خطر الدين.