ولست بهذا أوجب أن يقفل باب الاجتهاد، وإنما أوصي بأن تحصر الأبحاث الدينية على البيئات العلمية، وأنصح بأن يحرس العامة حراسة شديدة من المشاركة في الخلافات المذهبية والدينية.
إن العوام هم ذخيرة الأمة، ومنهم يتكون الجيش، وبفضلهم تقوم المتاجر والمزارع والمصانع، فمن الحزم أن يعيشوا على عقيدة واحدة ومذهب واحد، ومن البلاء أن تتكرر المأساة التي وقعت في شبين الكوم منذ عام، والتي تقع أشباهها في كل يوم، وإن لم تدون أخبارها في محاضر البوليس.
ومن الحزم أن تسارع الحكومة إلى حراسة الأهلين من انقسامات الصوفية، فإن التصوف أصبح في أكثر البلاد من أسباب الشقاق، مع أنه في الأصل من أسباب الألفة والصفاء.
ولا يمكن تحقيق هذا الغرض إلا بتخير من يقومون بالدعايات الصوفية، ويجب أن يكونوا من أهل النزاهة، والإخلاص، أما جعل الديار المصرية مسرحا للمفاضلة بين الخلوتية والشاذلية فهو باب من الشر لا يعرف أخطاره إلا من عرف عقول العوام، ورأى كيف يختصمون ويقتتلون لأتفه الأسباب.
24
يظهر أنكم ترتابون في خطر الشقاق.
تفضلوا بتأمل هذه الصورة:
يذهب المصلون إلى المسجد الجامع يوم الجمعة، فيسمعون سورة الكهف بقلوب لا تخلو من قلق؛ لأن فيهم من يراها سنة، وفيهم من يراها بدعة، فإذا أذن المؤذن انقسموا إلى فرقتين؛ فرقة تبيح السلام على النبي بعد الآذان، وفرقة تأباه، فإذا قامت الصلاة رأينا من يسر القراءة، ورأينا من يكتفي بقراءة الإمام، فإذا انتهت الصلاة رأيناهم جماعتين؛ جماعة تصلي الظهر، وجماعة تنصرف.
وهذه الصورة لا يعرف خطرها المثقفون من أهل الحواضر؛ لأنهم لا يقيمون وزنا لأمثال هذه الشئون، إذ كانت عقولهم أرفع من أن تختصم في غير مختصم، ولكنها تبدد قوى الأهالي في الريف، وتهد من بناء الاستقلال.
وأنا أقترح أن يطب أهل الرأي هذا الجرح، وأتمنى أن تعيش الأمة كلها على مذهب واحد في الأصول والفروع، على نحو ما كانت تركيا في العهد القديم، فقد كانت في مسائل التوحيد على رأي واحد، وكانت في التشريع على مذهب واحد، ومن المحقق أن وحدة تركيا في نوازعها الدينية كانت من أهم الأسباب في سلامة وحدتها القومية.
أقول هذا وأنا أعرف أن خطر الانشقاقات المذهبية في مصر صائر إلى الزوال، ولكن لا بأس من التنبيه إلى ما بقي من أوزاره ليحذره المصلحون.
25
وتظهر بشاعة الانقسام إذا تذكرنا ما فقدنا بسببه من النعيم.
أتذكرون السر في تفضيل صلاة الجماعة؟ أتذكرون السر في الدعوة إلى اجتماع أهل البلد الواحد، في مسجد واحد، مرة في كل أسبوع؟ أتذكرون السر في التشويق إلى أداء صلاة العيد في ضاحية البلد ليتيسر للناس جميعا أن يتصافحوا بالأيدي والقلوب؟
تذكروا السر في ذلك لتعرفوا أننا حرمنا نعيما كثيرا منذ ابتلينا في ديننا بالخلاف.
وليس هذا كل ما حرمناه، فقد انعدمت صلاة الجماعة أو كادت، ومضت صلاة العيد إلى اللحاق بذكريات التاريخ، ولم يبق لنا نصيب من أسباب الصفاء.
ليت من يختصمون ويقتتلون بسبب المنازعات الأدبية والسياسية يعرفون السبيل إلى المساجد! إنهم لو فعلوا لكان من اليسير أن تذهب أحقادهم حين يتصافحون عقب الصلاة.
ليت من يتعادون يلتقي بعضهم ببعض في صلاة العيد! إنهم لو فعلوا لدفنوا أحقاد العام الماضي، وقلدوا العام الجديد وساما من ود جديد.
أليس الصفاء الذي نشير إليه من بعض ما يصنع الدين في بناء الاستقلال؟
لقد حاول سمو الأمير عمر طوسون منذ سنين أن يجمع أهل الإسكندرية في مكان واحد في أيام الأعياد، وكانت فكرة سامية، ولكنها لم تنجح مع الأسف الشديد.
فما الذي يمنع من إمضاء هذا الرأي مرة ثانية باسم الدين؟ ما الذي يمنع من جعل الأزهر ملتقى لأقطاب البلاد، في أيام الأعياد؟
بل ما الذي يمنع من خلق صورة جديدة للتشريفات الملكية، بحيث تكون موسما أغر تلتقي فيه القلوب والأهواء، ويتنادى فيه الناس باسم الحق والدين؟