تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الدين الحق يوصي بدفن الضغائن والحقود، والناس لا يستطيعون التعاون على بناء الوطن إلا إن استطاعوا التعاون على بناء الإخاء.

فانظر أين أنت من إسعاد قومك، فإن كنت رجلا يفرح لفرح عدوه، ويشجى لشجاه، فأنت امرؤ فيك خلق ودين، وإن كنت لا تفكر إلا في نفسك وفي أشياعك، فأنت من العصبة الوحشية التي أطال في ذمها الحكماء.

21

الدين من مقومات الاستقلال.

ولكن أي دين؟

أهو ذلك الدين الذي يقوم على قواعد الرياء؟

رباه، ماذا قاسينا من عنف المرائين!

إن الرياء في الدين باب إلى الخراب؛ لأنه يروض الناس على التكلف والافتعال فيما يأخذون وما يدعون، ويوحي إليهم أن المراوغة لباقة وذكاء.

أنا أشتهي أن أومن، ولكن الشوق يخمد في قلبي كلما تذكرت أعمال المرائين.

أليس من الحق، أيها الناس، أن الصراحة في زماننا خلق بغيض، وأن النفاق يسمو بصاحبه أحيانا إلى أرفع الدرجات، وأن المداهنة أصبحت أمضى سلاح؟

تلك بلية خلقية نشير إليها كارهين؛ لأنها تهدم قواعد الاستقلال، ونحن لا نذكر الاستقلال لاهين ولا عابثين، وإنما نغرم بالاستقلال؛ لأن فيه شرف الشعوب، ولن تشرف أمة تتغاضى عن أعمال المرائين.

ولست أوصي بإعلان الحرب على أهل النفاق، وإنما أوصي بالحذر منهم؛ لأنهم سوس الخراب في هيكل الاستقلال.

ومن واجب القائمين بالأمر أن يحذروا المنافقين؛ لأن النفاق خليق بأن يأتي على بناء الوطن من القواعد والعياذ بالله، وإنما أعني الرؤساء الذين يصغون إلى كل مرجف، ويصيخون إلى كل مشاء بنميم، أوصي بالحذر من مرضى الحذلقة والمراءاة وافتعال النزاهة والإخلاص، أوصي بالفرار من كل مخلوق لا يضحك إلا حين يبكي الناس، ولا يفرح إلا يوم يحزنون.

وإلى من أتوجه بهذا النصح؟

لست أدري والله إلى من أتوجه، فقد ساء ظني بأبناء الزمان، ولكن لا بأس من توجيه القول إلى من تفضلوا بدعوتنا إلى الكلام عن فضل الدين في بناء الاستقلال، ولا بأس من توجيهه إلى أعضاء لجنة التحكيم في المباراة الأدبية، فقد أغناهم الله من فضله، ورفعهم عن مذاهب الضعفاء، وكل رجل منهم يقدر بلا مشقة على حرب هذا الخلق الذي ينافي الدين الصحيح، ويهدم الاستقلال.

وليس من الفضول أن أتوجه إليهم بذلك، فقد دعونا إلى إبداء ما عندنا من آراء ومقترحات، ومن الفضل أن يصغى الآباء إلى الأبناء، وليس أمام الحق فاضل ومفضول.

22

أحب أن أعرف كيف يكون الدين سياجا لبناء القومية، وأنا أتمثله قوة معنوية وروحية تضمن سلامة الوطن من الوجهة الداخلية، فإذا تحاب الناس وتصافوا وتآلفوا كانوا قوة هائلة شبيهة بالأعضاء القوية في الجسم السليم.

إن الأخلاق الدينية في بناء الأمة تذكرنا بالجراثيم النافعة التي يقوم عليها جسم الإنسان، ألم تسمعوا أن هناك جراثيم في داخل الجسم تثب دفعة واحدة في وجه الجراثيم الضارة التي تفد مع الطعام أو الشراب؟

كذلك تفعل الأخلاق الدينية، فإن الأمة حين تصح في دينها تظل قوية متينة، لا يفد عليها واغل إلا دفعته عنها بقوة وجبروت.

وهذا هو التفسير الحق لكلمة من قال: إن الدين من مقومات الاستقلال.

23

ثم ماذا؟

إن الدين الحق يعصم من الشقاق، ولن يكون الدين من مقومات الاستقلال إلا حين يصون الوحدة القومية من التفكك والانحلال، ولعل السر في كره البدع أنها تقسم الناس إلى شيع وأحزاب، وتغريهم بالتعادي والعناد، وترميهم بأسباب الفتون.

والأمة السعيدة بدينها هي الأمة الموحدة المذهب، أما الأمة المشتتة في نوازعها الدينية فهي أمة ضعيفة الرأي، منحلة العزم، لا يرجى لها سلام.

ولكم أن تستفتوا التاريخ.

أتذكرون كيف سقطت بغداد في أيدي التتار؟ إن ذلك لم يقع إلا بسبب انقسام الأمة العراقية إلى عصبتين مختلفتين في الدين.

وما لنا نستشهد بالتاريخ؟ إن في الحاضر عبرة، فقد جدت في مصر نفسها فتن دينية يعرفها من يخالط السواد في الأحياء الشعبية، ويكفي أن يعرف القارئ أن في القاهرة مساجد يدخلها ناس ويطرد منها ناس، وأن في بعض القرى عائلات تتقاطع أبشع التقاطع بفضل الانقسام في مذاهب الدين.

اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلال · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلالص ١١