تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيا ليت شعري من ألوم، أألوم نفسي على أن لم أعق في بركم أهلي وأخزاني، فأسير حيث سرتم، وأقيم حيث أقمتم؟

تفرق أهلي من مقيم وظاعن

فيا ليت شعري أي أهلي أتبع

أقام الذين لا أبالي فراقهم

وشط الذين بينهم أتوقع

أم ألومكم على أن تركتموني وحيدا وآثرتم وطنكم وأهلكم، ولم تبالوا بمن خلفتموه طريح حزنه، وأسير همه؟ أم ألوم قوما جعلتهم منكم بدلا فكانوا شر بدل، واتخذتهم من بعدكم ذخرا فكانوا كالهباء ورجوتهم حصنا أتقي به الدهر الخائن، والزمن الجائر، فإذا هم أذل من قراد بمنسم، وإذا المتفيئ ظلهم، والراجي برهم، يطمع في غير مطمع، ويلجأ إلى شر وزر؟

أم ألوم دهرا اضطركم إلى الرحلة فرحلتم، وحكم علي بالمقام فأقمت، ثم أمدنا من اليأس لبعد الدار، وشط المزار، ما جعل الأمل في التلاقي خائبا ورجاء التداني كاذبا؟

وقلما أبقي على ما أرى

يوشك أن ينعاني الناعي

ما أقتل اليأس لأهل الهوى

لا سيما من بعد إطماع

ما هذا الذي صنعتم؟ أخضعتم لليأس، وأذعنتم للقنوط، ولم ترهبوا العتاب؛ إذ لم تأملوا اللقاء، فزففتم تلك الشمس إلى غيري، وآثرتم بها سواي.

يا عز إن ضاعت عهودي عندكم

فأنا الذي استودعت غير أمين

أو عدت مغبونا فما أنا في الهوى

لكمو بأول عاشق مغبون

غلب اليأس عليكم فمللتم - ولا وفاء لملول - فكان منكم ما أقض المضجع، وأورث الجفن السهاد، فهل تعلمون ما صنع اليأس بنا، ونال القنوط منا؟ ولكن هيهات بعد اليوم أن ينفع العزاء.

هي الغاية القصوى فإن فات نيلها

فكل منى الدنيا علي حرام

تحت صورتي

ولما صار ود الناس ختلا

وأوحش ربعهم من بعد أنس

ولم أظفر على جهدي بحر

تركت هواهم وعشقت نفسي

| في يوم العيد

إن الذي رد يوسف إلى يعقوب بعد أن ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، والذي بشر زكريا بيحيى بعد أن بلغ من الكبر عتيا، والذي من على إبراهيم بولديه إسحاق ويعقوب، بعد أن شاخ ويئست زوجه؛ ليقدر على إمتاع أرواحنا برجع أيامنا، وإيناس قلوبنا بعودة أحبابنا.

وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما

يظنان كل الظن ألا تلاقيا

هذه الشمس تشرق بعد غروبها، وهذا القمر يطلع بعد أفوله، وهذه الأشجار تخلع ثيابها في أواخر الخريف، وتلبس في أوائل الربيع ثيابا أروع وأنضر، وهذه السيوف يغشاها الصدأ فيكسوها زرقة وسوادا، ثم يعتادها صقالها فيعود لها بريقا ولمعانا، وهذه الغدران، تجف حينا، ويطغيها الحيا حينا، وها نحن أولاء نتشوف إلى عهودنا السوالف وأيامنا الخوالي.

أما يرحمنا الله فيجمع شملنا، ويرجع أنسنا، فنصبح في سلام آمنين؟ أوليس الذي من علينا بتلك العيشة الراضية، وهذه النعمة الضافية، بقادر على أن يعيدها ضاحكة باسمة، واضحة حسانة؟ بلى، وهو الرءوف الرحيم.

لقد كنت أخلدت إلى اليأس لولا أني رأيت فضل الله أوسع من أن لا ينالني منه غير تلك الأيام القلائل، ورأيت الله أعدل من أن يحكم علي بالشقاء الطويل في الهجر المديد، وعرفته - سبحانه - أكرم من أن يخيب السائل ويغفل دعاء المضطر.

فيا رب يا رب.

إن بين الحشا لهيب اشتياق

ليس يطفي جواه إلا التلاقي

فإن لم تدركني بقربهم ...!

فيا رب إن أهلك ولم ترو هامتي

بليلي أمت لا قبر أعطش من قبري

إنني ما جحدت نعمتك يوم رزقتني بهم، ولا جهلت حكمتك يوم أقصيتهم عني، وها أنا ذا أنتظر فضلك وطولك في ردهم إلي وعطفهم علي.

فلولا الثقة برحمتك، والإيمان بإحسانك لذهبت النفس عليهم حسرات وقطع القلب في آثارهم قطعا.

ولولا رجاء القلب أن يذهب النوى

لما حملته بينهن الأضالع

وأنت أيها العيد، أين مثيلك منذ خمس سنين؟!

لغيري حسنك وجمالك، ولي فيك البكاء والنحيب.

| الشباب والمشيب

تمنى أناس أن يدوم شبابهم

وإني لأهوى أن يعجل لي شيبي

أخاف على نفسي العثار لأنني

رأيت الشباب الغض رينا على القلب

وما أنا راض أن تكون شبيبتي

طريدة قلبي إن بكيت على ذنبي

البدائع · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٦٢