تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا منظرا حسنا رأيته

من وجه جارية فديته

لمعت إلي تسومني

ثوب الشباب وقد طويته

والله رب محمد

ما إن غدرت ولا نويته

أمسكت عنك وربما

عرض البلاء وما اتقيته

إن الخليفة قد أبى

وإذا أبى شيئا أبيته

ويشوقني بيت الحبي

ب إذا غدوت وأين بيته

قام الخليفة دونه

فصبرت عنه وما قليته

ونهاني الملك الهما

م عن النساء فما عصيته

بل قد وفيت ولم أضع

عهدا ولا رأيا رأيته

ثم انقضت حياة بشار الودية، وما عدت تسمع له غير أبيات فاترة في الأسف على ما حيل بينه وبين هواه، فنال اليأس من قلبه، والقنوط من ضميره، وعاد من الهالكين.

ولقد نال أبا نواس إمام الشعراء في وصف الخمر، ما نال بشارا إمامهم في وصف النساء، فقد نهاه الأمين عن شربها وحبسه ابن أبي الفضل من أجلها، ثم كلم فيه، فأخرجه على أن لا يشرب خمرا، ولا يقول فيها شعرا، فطالت حسراته وكثرت زفراته، ثم قال:

أيها الرائحان باللوم لوما

لا أذوق المدام إلا شميما

نالني بالملام فيها إمام

لا أرى لي خلافه مستقيما

فاصرفاها إلى سواي فإني

لست إلا على الحديث نديما

جل حظي منها إذا هي دارت

أن أراها وأن أشم النسيما

فكأني وما أزين منها

قعدي يزين التحكيما

كل عن حمله السلاح إلى الحر

ب فأوصى المطيق أن لا يقيما

وتعرف أن أبا نواس إن نهي عن الخمر فقد لا ينتهي، ولكنه لا بد مقلع عن وصفها؛ طاعة للإمام، وفي ذلك يقول:

عين الخليفة بي موكلة

عقد الحذار بطرفها طرفي

صحت علانيتي له وأرى

دين الضمير له على حرف

ولئن وعدتك تركها عدة

إني عليك لخائف خلفي

نهي أبو نواس عن الخمر فشربها سرا، ولكنه جامل الإمام بترك نعتها، والتحدث عن وصفها، فأصاب الأدب ما أصابه، وغشي الشعر ما غشيه، فإن أبا نواس - فيما أرى - أول الناس وآخرهم، في وصف الراح والسقاة.

ولو لم يقف في سبيله الأمين لأبان لنا من مذاهب القول، وطرق البيان ما كنا في حاجة إلى بعضه، ولكن الزمان للأدب ظلوم قهار.

ليس وصف الخمر والندامى، والكئوس والسقاة، ضربا من الشعر الوجداني، فإنها أوصاف محسة، ترجع في جملتها إلى ما ترى العين، ويذوق اللسان، ولكن طبع أبي نواس ومهارته، جعلا لتلك المعاني الخمرية صبغة خاصة، تشبه أن تكون من عمل القلب، وصنع الضمير.

قل شعر عبيد الله لما تخوف الجمهور، ونضب شعر ابن أبي ربيعة لما نهاه أخوه وذهبت لطائف بشار في الغزل لما منعه المهدي، وحرمنا بدائع أبي نواس في الخمر لما زجره الأمين.

فكان ذلك مما أوجب فقر الآداب العربية، وجعل حظ الشعر غاية في الضئول ونهاية في الخمود.

فيا ليت شعري أتشمل الحرية الأدب وتنتظم الشعر ، أم يعيش الشعراء أسرى الأوامر العالية، والزواجر الطاغية أبد الآبدين، ودهر الداهرين؟

كلمة

عن موشحات حضرة الزميل الشيخ محمد إبراهيم الجزيري:

مقطعات حسان

كفاتنات الخدود

كأنهن الغواني

يمسن في يوم عيد

أو خاطرات الأماني

يزرن قلب عميد

ما أجحد القلب إن لم

يحيها بالسجود

وأظلم الدهر إن لم

يجد لها بالخلود

| الأمل الضائع

تأيمت حتى لامني كل صاحب

رجاء سليمى أن تئيم كما إمت

لئن بعت حظي منك يوما بغيره

لبئس إذا يوم التغابن ما بعت

كنت أصبر على بأساء الحياة، وأحتمل ما فيها من هم وغم، لو أن عندي بقية من الأمل أرفه بها أحزاني، وأدفع بها آلامي، ولكن حال القنوط دون الرجاء، وأتى اليأس دون الطمع، فلم يبق غير الجزع من مسعد ولا سوى النوح من شفاء.

فيا جيرة ما كان أهنأ وردهم، وأطيب عيشهم، ويا أحبابا ذقت الفرح بقربهم، وعرفت الهم لبعدهم، ويا من أفناني فراقهم وكان أحياني لقاؤهم، بربكم ما الذي لقيتم بعدي؟ فقد لقيت بعدكم ذلا وهوانا، وظلما وعدوانا، ومن عسى أن يكون قد ظفر بودكم، ونعم بحسنكم، فأصفاكم من الحب أجمله، ومن الأنس أكمله؟ فقد صحبت بعدكم من جحد نعمتي، وأنكر خلتي، ومن سقيته الشهد فسقاني الصاب، ومن أوليته القرب فأولاني القطيعة.

البدائع · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٦١