هيهات من أمة الوهاب منزلنا
إذا حللنا بسيف البحر من عدن
واحتل أهلك أجيادا فليس لنا
إلا التذكر أو حظ من الحزن
لا داركم دارنا يا وهب إن نزحت
نواك عنا ولا أوطانكم وطني
يا وهب إن يك قد شط البعاد بكم
وفرق الشمل منا صرف ذا الزمن
فكم وكم من حديث قد خلوت به
في مسمع منكمو أو منظر حسن
بل ما نسيت ببطن الخيف موقفها
وموقفي وكلانا ثم ذو شجن
وقولها للثريا يوم ذي خشب
والدمع منها على الخدين ذو سنن
بالله قولي له في غير معتبة
ماذا أردت بطول المكث في يمن
إن كنت حاولت دنيا أو نعمت بها
فما أخذت بترك الحج من ثمن
ويذكرون أن أخاه لما سمع هذا الشعر يئس من صلاحه وقال: قد فتك أخي وغدر.
والذي أراه أن عمر بن أبي ربيعة، ما كان له أن يذهب إلى اليمن، دفعا للوم أخيه فحسب، فإن الرجل طالما نهاه النهاة فلم ينته ولم يرجع، وكان بينه وبين أخيه ما يشعر بتهاونه بنصحه، وسخريته من عذله، بدليل ما يذكرون من أخذه ألف دينار من أخيه، في حين أنه كان من أكثر الناس مالا ووفرا، وأعظمهم تيها وكبرا، ولكن الرجل كان يحاول أن يتناسى صبابته، ويتغاضى عن هواه، حتى كان من أمره أن حلف لا يقول بيتا من الشعر إلا أعتق رقبة، نهيا للنفس عن الهوى، وكبحا لها عن الغواية وكان من المسرفين.
فر ابن أبي ربيعة إلى اليمن ليبعد عن ملعب صباه، ومرتع شبابه، فيودع بذلك الشعر، ويسرح النسيب، ثم غلب على أمره فقال نونيته السالفة طوعا لأمر الفؤاد.
كان ابن أبي ربيعة من أصبح الناس وجها، وكان عشقه شبيها بعشق الملوك، لتهافت الغواني عليه، والتفاف النساء حوله، فكان شعره لذلك ضائعا بين الأوصاف الظاهرة، والمحاسن البادية، فلا ترى له حسرة على فائت، ولا لهفة على مأمول، فلما صوح شبابه، وحان منه التذكر، نضب معين شعره، وتهدجت صبابته، برا بذلك القسم، ونزولا عند حكم المشيب، فكان نصيبه من الشعر الوجداني ضئيلا، لما ظلم عاطفته، وعق وجدانه وكان من القاسطين.
أنا لا أبخس ابن أبي ربيعة حظه من الشعر الوجداني، ولا أبعد أن يكون في ديوانه من هذا النوع شيء كثير، ولكني أقول: إن الرجل الذي يبهر الناس شعره في مجالس الأنس، ويروقهم حديثه عن اللهو واللعب، لجدير أن يقرح أجفانهم، ويفتت أكبادهم، لو بكى عهوده السوالف ومعاهده المقفرات.
ولكن أبى الجد العاثر إلا أن توضع هذه الأغلال في أعناق الشعراء فيمسون كالبلابل الموثقة الحبيسة، لا تستطيع التغريد، ولا تملك الترجيع.
وما عسى أن يكون حزن بشار وبثه، وقد نهاه المهدي عن التشبيب، وحال بينه وبين ما يشتهي من الغزل، ومداعبة النساء.
وإني ذاكر لك مثالا مختارا من شعره فيما يتعلق بالعواطف، ويختص بالوجدان، حتى تعرف أي خطب ألم بالشعر الوجداني، فأصبح ضئيلا في شعر هذا الرجل الكبير ، قال:
أيها الساقيان صبا شرابي
واسقياني من ريق بيضاء رود
إن دائي الظما وإن شفائي
شربة من رضاب ثغر برود
ولها مبسم كغر الأقاحي
وحديث كالوشي وشي البرود
نزلت في السواد من حبة القل
ب ونالت زيادة المستزيد
ثم قالت نلقاك بعد ليال
والليالي يبلين كل جديد
عندها الصبر عن لقاي وعندي
زفرات يأكلن قلب الحديد
لا أبالي من ضن عني بوصل
إن قضى الله منك لي يوم جود
فإنك لتبصر من خلال هذا الشعر، رجلا صادق الحب، متين الصبابة، ألح عليه ساقياه بالراح، فتعفف عنها، لا زهدا فيها، ولا نفورا منها، ولكن ذكرى حارة، ولوعات دخيلة، هاجت بصدره، وثارت بلبه؛ إذ ذكر صهباء الثغر ممن يهوى، وخمر الريق ممن يحب.
شغل الشاعر عن الراح بما ذكر من محاسن محبوبه، ولطائف معشوقه، فأخذ يذكر ما فعل الحب بقلبه، ونال الهم من نفسه.
نأسى عليكم إذا حثت مشعشعة
فينا الشمول وغنانا مغنينا
لا أكؤس الراح تبدي من شمائلنا
سيما ارتياح ولا الأوتار تلهينا
كان بشار من أظرف الناس غزلا، وأبدعهم نسيبا، ولكن قضى الله أن يحول المهدي بينه وبين التشبيب، فيضيع بذلك الشعر الوجداني من هذا النوع، فيما عسى أن يقول في ذكرى لياليه الخوالي، وعهوده السوالف، وقد ختمت زفراته المحرقة، وعبراته المغرقة، بكلمته الآتية: