تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بلد صحبت به الشبيبة والصبا

ولبست ثوب اللهو وهو جديد

فإذا تمثل في الضمير رأيته

وعليه أغصان الشباب تميد

حسبك هذا يا أنيس، ولا تنس أن تزور الشيخ عبد العزيز صقر، وأن تكاتب الأخ العزيز محمد أفندي محمود حسين، فأما الشيخ علي مبارك فسأعرف كيف أناقشه الحساب.

وأعود إلى الثورة الخطيرة التي تشب في جوانحي كلما فكرت فيما يعمل الإنكليز لقهر الأمة المصرية، لبيك يا مصر، لن تموتي ونحن أحياء.

ملحوظة:

لا تذكر لأحد كيف وصلك هذا الخطاب فتشتد الرقابة على المعتقلين المعذبين.

| حرقة ولوعة

أنت الذي علمتني

يا سيدي بر الصديق

وتركتني في فتية

ما فيهمو بر رفيق

لم ألق بعدك منهمو

إلا الجفاء أو العقوق

حتى كأني لم أبت

منهم على عهد وثيق

وكأنهم لم يبصروا

في خلتي الحر الصدوق

فنسوا هواي ولم يفق

من ودهم قلبي المشوق

ونسوا طريف حديثنا

عند الصبوح أو الغبوق

ليت الهوى ما قادني

يوما إلى ذاك الطريق

أو ليتني لم أنخدع

جهلا بهاتيك البروق

بل ليتني بعد الذي

عانيت من صحبي أفيق •••

مولاي لو أبصرتني

لفزعت من دمعي الطليق

وشجاك جسمي ناحلا

وكأنه الطيف الطروق

أشكو إليك وإنما

يشكو المضيم إلى الشفيق

فارحم فديتك مهجة

أودى بها الحزن العميق

حزن يقطع في الحشا

فكأنه غدر الصديق

يا ويح قلبي لم يزل

يهفو به الروح الخفوق

وتقوده الذكرى إلى

عهد الهوى الغض الرفيق

أيام نمرح في الصبا

في ذلك العيش الأنيق

أيام نسقى في الهوى

والود كأسا من رحيق

تلك الليالي لم تدع

من بعدها حسنا يروق

كلا ولا خلت لنا

إلا الزفير أو الشهيق

مع الصورة

ولما عزني في الحب دهري

وأرغمني الزمان على نزوحي

ولم أعرف لرؤيتكم سبيلا

بعثت بصورتي من بعد روحي

| ظلم العواطف

قيل لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أتقول الشعر في فقهك وورعك، فقال: لا بد للمصدور أن ينفث، وكان عبيد الله من وجوه الفقهاء الذين روي عنهم الفقه والحديث، وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، ومن شعره:

شققت القلب ثم ذررت فيه

هواك فليم فالتأم الفطور

تغلغل حب عثمة في فؤادي

فباديه مع الخافي يسير

تغلغل حيث لم يبلغ شراب

ولا حزن ولم يبلغ سرور

إن الناس يجلون الفقهاء عن قول الشعر ولا سيما النسيب، ويرون بعدهم عنه وبراءتهم منه؛ من متممات فضلهم ومكملات مجدهم، وكان ذلك ظلما للعواطف وقتلا للشعور؛ فإن لبعض أولئك قلوبا نزاعة إلى الحسن، ونفوسا عشاقة للجمال، ومنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما جنحوا إلى السلوان.

ولئن خرج عبيد الله على الجفاة من معاصريه، فقال في الغزل ما قال، فإني لأحسبه كتمنا كثيرا من شجونه، وضن على الشعر بمكنون صدره مداراة للعامة من جيرته، والسذج من عارفيه، فإن الخوف من صغار العقول، والهرب من ثرثرة السفلة، لم يسلم منه نابه، في عصر من العصور أو قطر من الأقطار.

إن الأبيات القلائل التي نقلها الرواة إلينا من شعر عبيد الله لتحدث عن صبابة وتسفر عن غرام، ولو أن الرجل أوتي من قوة الإرادة وشجاعة الفؤاد ما يشرح به هواه ويمثل به خواطره لكان له من المواقف الحسان والمشاهد المبجلة ما يضمن له الخلود في الشعر الوجداني من عالم الآداب.

إن ظلم العواطف حرمنا كثيرا من نفثات الشعراء، وجعلنا نتصيد طرائف الشعر الوجداني من هنا وهناك، ثم لا نجد ما ينقع الغلة، ويشفي النفس؛ لما في أكثره من التلون المذهب للعاطفة، المميت للشعور.

ولو أن ذلك كان وقفا على الفقهاء لتجملهم بالزهد أو النساء لتحليهن بالعفاف؛ لهان الأمر وسهل، ولكنا وجدنا في أشهر الشعراء بالظرف وأعرفهم بالخلاعة من يمنون بالنهاة من أهلهم، فينزلون عند حكمهم ويصدعون بأمرهم فيتناسون الهوى ويصدفون عن الغرام.

هذا عمر بن أبي ربيعة، كان من أجرأ الناس على إذاعة هواه، وأبعدهم صيتا في الغواية، وطاعة الشباب، ثم ما برح أخوه الحارث يعظه وينهاه، حتى كان من ذلك أن أعطاه ألف دينار على أن لا يقول شعرا، فقال: «أما ما دمت بمكة فلا أقدر، ولكني أخرج إلى اليمن.» فلما سار إلى هناك لم تدعه نفسه وقول الشعر، فقال:

البدائع · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٥٩