تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تحية!

تجمل بالسماح ودع ملامي

وكن عون المحب المستهام

ففي «أسيوط» لو تدري حبيب

هجرت لبعده طيب المنام

أسيت له يحن إلى لقائي

ودون مرامه كيد اللئام

إذا ما الليل جن ونام صحبي

مشت نار التذكر في عظامي

سلام أيها النائي سلام

وهل يغني عن اللقيا سلامي

لوعة!

لأصبحت نهب الأسى والحزن

لجسم أقام وقلب ظعن

فيا ويحهم يزمعون الرحيل

وما زودوني سواء الشجن

دموع تحدر فوق الخدود

كصوب الغمام إذا ما هتن

وقلب يقلب بين الضلوع

بعيد القرار فقيد السكن

وأصبحت الرأس مرعى المشيب

قليل السرور كثير الحزن

لعمري لئن شبت قبل الأوان

لقد شاب حظي وشاب الزمن

كأن الشعور عراها البياض

سهام الردى أو خيوط الكفن

وأنكى عدوك في النائبات

عدو تقاصر عنه الجنن

وإن الشباب إذا ما انقضى

لكالحلم أقلع عنه الوسن

| ليالي الاعتقال

حضرة الأخ أنيس أفندي ميخائيل

وصل خطابك البديع، بعد عشرين يوما قضاها تحت أثقال الرقابة، ولم يصلني قبله في معتقل «سيدي بشر» غير خطاب الأخ الشيخ عبد المجيد زهران، فما أوفاه يا صديقي وما أوفاك.

سأضرب صفحا عن الدمعة التي سكبتها على القرطاس؛ لأن مثلي لا يبكى له، ولا يبكى عليه، وإنما خلقت لأكون مثلا في الشمم والإباء. ولو كان بي حب الدعة والطمأنينة لما مكثت في المعتقل هذه الشهور الطوال، فقد فكر القوم في مساومتي لأول لحظة وطئت فيها ثكنة قصر النيل، ولكني أقذيت عيونهم؛ حين أريتهم كيف يطيب الشقاء في سبيل البلاد، وأقسم لو سلم المصريون جميعا وخرج مصطفى كامل من قبره فصافح الإنجليز؛ لما كان في ذلك ما يزحزحني قيد أنملة عن معاداتهم حتى يكون الجلاء وأعيذك أن تحسب أن جلاءهم عن مصر إن تم ونحن أحياء ينسينا ما فعلوا بنا وبأهلينا منذ كان الاحتلال.

أترك ذلك، وأحدثك عما يجول بصدري في هذه الظلمات، أنا حزين يا أنيس، وكيف لا أحزن وفي المعتقلين أنفسهم أنصار لمشروع ملنر الذي يعرضه الآن أعضاء الوفد بين التصفيق والهتاف، يا ويلتاه! حتى المعتقلين المعذبين يصدقون بأن إنجلترة منحتهم الاستقلال! متى تتم هذه الألعوبة فأخرج من بين هذه الأسلاك لأساعد الحزب الوطني في الغارة الشعواء التي شنها علي أولئك الشياطين الذي مكنتهم الليالي من ناصية هذا الشعب الوديع.

ليست إنجلتره هي العدو الوحيد للأمة المصرية، بل هناك عدو آخر لا يزال يبطش بالأمة غير وان ولا راحم، ألا وهو الجهل، هذا هو العدو اللدود الذي تستعين به إنجلتره لاغتصاب وادي النيل، ولولاه لما رحب المرحبون بأعضاء الوفد حين جاءوا لعرض مشروع ملنر، بل لولاه لحقت على هؤلاء كلمة العذاب، وسأعرف ما أصنع حين أعود إلى القاهرة - ولو بعد حين - سأعرف كيف أحارب الجهل، وكيف أصب الصواعق على رءوس من يستغلون جهل الأمة فينالون به ما لهم من سيئ الأغراض، ومنكر الشهوات، والله بصير بما يعملون.

تسألني عن ليالي الاعتقال، وأجيبك بأنها ليال سوداء، لا فرق بين أنصافها والسرار، ويكفي أن أذكر لك أن هذه الليلة ليلة العيد، ومنذ لحظة كان الأستاذ الشيخ عبد الباقي سرور يبتسم ويقول: لقد استرحت هذه الليلة من أولادي، فما يفك عمامتي أحد، ولا يضحك من صلاتي إنسان.

وكان الشيخ محمد يوسف يرفأ قميصه وهو ينشد قول ابن الأحنف:

رحمتا للغريب بالبلد النا

زح ماذا بنفسه صنعا

فارق أحبابه فما انتفعوا

بالعيش من بعده وما انتفعا

وكان الشيخ شافعي البنا يلاعب الشمعة وهو يتغنى بقول المتنبي:

عيد بأية حال عدت يا عيد

بما مضى أم لأمر فيك تجديد

أما الأحبة فالبيداء دونهمو

فليت دونك بيدا دونها بيد

أما أنا فكنت أترنم بقولي:

ليالي النيل واللذات ذاهبة

وجدي عليكن أشجاني فأضناني

لو يرجع الدهر لي منكن واحدة

في سنتريس ويدني بعض خلاني

إذا تبين دهري كيف يرحمني

من ظلم همي ومن عدوان أحزاني

وبمناسبة سنتريس أذكر أني أرسلت خطابا للأخ الشيخ أحمد الدكروري أصف به شوقي إلى مغاني ذلك البلد الجميل، أين أنا من سنتريس؟ وأين مني سنتريس؟

البدائع · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٥٨