تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشعر في نظر العرب يدعو إلى شريف الخلال، وكريم الخصال أو يبدع صورا للذائذ الحسية والمعنوية، فالحق العالي الصرح، والباطل الواهي الأساس، والفضيلة الرفيعة، والرذيلة الوضيعة؛ كل أولئك مما يقع تحت حس الشاعر المبدع، فهو فاضل إن دعا إلى الفضيلة، وناقص إن زين الرذيلة، وهو - على كل حال - معروف بالقدرة على وصف ما يدعو إليه العقل، أو يرنو له القلب، وللناس فيما يعشقون مذاهب.

أقول ذلك لئلا يحسب واهم أني أجعل الشعراء، في درجة الأنبياء، ولكني كذلك أرجو أن لا يتخلف عني بعض القراء فيما فهمناه معا من أن الشعر إنما يضع الأمثلة العالية، فالشاعر إما صانع قادر، أو واصف ماهر والناس مختلفون في اتباعه، فمنهم من يتبعه أحسن أم أساء؛ لأن الحياة عندهم ذات ألوان، والشاعر يصف ألوانها الدميمة والوسيمة، وهم يريدون أن يتذوقوا كل مظاهر الحياة، ومنهم من يتبعه إن أخطأ ويصدف عنه إن أساء، وهؤلاء المخلدون إلى الحياة الوادعة، والصادفون عن الحياة العاملة.

وهم لا يقرءون كل شعر كالصنف الأول ليقفوا على أنواع المدركات، من حق واضح، أو باطل فاضح، ولكنهم يعكفون على طائفة من الشعر الذي انفصمت عراه، وتفككت وصاله؛ ليتم لهم التناسب بين ما تعمل أيديهم وما تقرأ ألسنتهم، وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون.

ومن الناس من يتبع الشعر الداعي إلى الحق، ويرى فيه نغمة من نغمات النبوة، وعلامة من علامات الرسالة، والشعراء عنده لا يتفاوتون بما تفاوتوا به عند غيره من الرغبة في الفضيلة، أو الميل إلى الرذيلة، ولكنهم يتفاضلون بتقديرهم للفضائل، وتصويرهم للمحامد، فهو يفضل بعض الشعراء على بعض، كما فضل الله بعض الأنبياء على بعض وهؤلاء الشعراء وتابعوهم من بناة المجد هم الذين عناهم أبو تمام حين قال:

ولو لا بناة الشعر في الناس ما درى

بناة الندى من أين تبنى المكارم

ولا يتوهمن قارئ أن اختلاف الشعراء في مذاهبهم الأخلاقية، مما يؤثر عليهم في الحكم من الناحية اللغوية، فإن أبا نواس في خمرياته، أفصح من أبي العتاهية في زهدياته، ولكن هناك وجها آخر للمفاضلة، وهو أن للغواية دركات، كما أن للهداية درجات، فالمثل العالي للخلاعة إنما يدركه الشعراء الخلعاء، والمثل الأعلى للنبالة إنما يدركه الشعراء النبلاء، ولكل شعر موضع، ولكل مقام مقال، فليس للشاعر أن يلبس روح الخليع حينما يريد أن يكون قدوة في المكارم، وليس له أن يلبس روح النبيل حين يريد أن يكون عمدة في المآثم، وإنما يلبس لكل حال لبوسها من جد وهزل، فيتعالى في الجد حتى يقال: نبي مرسل أو حكيم موفق، ويتراجع في الهزل حتى يقال: ماجن مازح، أو ذو صبوة خليع.

إذا جد حين البأس أغناك جده

وذو باطل إن شئت أرضاك باطله

وليس يخفى على القارئ أني هنا، إنما أحكم على أنواع الشعر وطوائف الشعراء، ولست أدعو إلى طريقة معينة أو مذهب خاص؛ فإن لذلك بحثا غير هذا البحث، وأريد أن أسأل القارئ بعد ما سلف من البيان هل الشعر في «مشروع ملنر» من الجد أو الهزل؟ وهل الشعراء فيه من الخلعاء أو الحكماء؟ •••

قرأنا للشاعر المجيد أحمد بك شوقي قصيدة في هذه الاتفاقية، كان نصفها الأول النسيب، وهو يتطلب الإسراف في الخلاعة؛ فلذلك راقنا منه أن يذكر أن قلبه لم يقلع عن الغواية وهو أشيب، وأن سرب الغواني لعب بلبه فأضله سواء السبيل، راقنا ذلك كله؛ لأنا نستملح كل ما يأتي عن طريق القلب، ولأن النسيب من الأشيب عنوان ظرفه، ولأن هذا المثل مما يتأسى به المسرفون في الصبابة وهم أحداث، ولا ننكر أن هذا مقبول ولو إنصافا للفن، وإن كنا نود لو وصف شوقي نفسه بما وصف به ابن الصمة أخاه حين قال:

صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه

فلما علاه قال للباطل ابعد

وكان النصف الثاني بيانا لرأيه في مشروع الاتفاق، ولا يستطيع من قرط قصيدة شوقي تلك بكلمة موجزة أن يدعي أن الحكم على هذا المشروع مما يدخل في طائفة الحكم على عتق الخمر، وصفاء الكأس، وحلاوة العين، وجمال الأنف، ورشاقة القد؛ إلى غير ذلك من الأوصاف الظاهرة لمحاسن النساء أو الأشجار أو الأنهار أو الجبال، وإنما هو حكم على آمال أمة تختلف أطماعها السياسية باختلاف عقول أبنائها البررة من علماء وحكماء وشعراء، وباختلاف الآمال ضعفا وقوة يوصف الرجل بأنه قوي أو ضعيف.

البدائع · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٤٩