سبحان مقلب القلوب.
الثامن :
سبحان غفار الذنوب.
التاسع :
هلم نصافحه!
العاشر :
هذا أقل ما يجب.
الثاني :
انتظروا أيها السادة، حتى أقف على دخيلة أمره وطوية نفسه؛ فإنه لا يصح للعاقل، أن يغتر بالظواهر، ويترك الجواهر، وإن هذا القط قد خدعنا حينا من الدهر، فأولى أن لا نغتر به آخر العمر.
الثالث :
لا داعي لهذا الحذر.
الرابع :
اسكت يا جاهل؛ فإنك لا تعرف مكر القطط، ولا سيما الصالحين من شيوخهم، والقانتين من كهولهم.
الثامن :
لعنهم الله أجمعين (هتاف) .
الأول :
فليذهب أحدنا لاختباره.
الجميع :
هذا أسلم.
ثم اختاروا من بينهم فأرا دقيق الفهم، غزير العلم، كان قد زار الديار الأوروبية، والأقطار الأمريكية، وتلقى الفلسفة الهندية، مما جعله أكفأ من كثير من القطط، لولا قلة المال وندرة السلاح، وهما عماد القوة، وسناد النجدة.
فما زال يمشي تارة على بطنه، وأخرى على رجله، يرفع رأسه حينا، ويخفضه حينا، وهو في كل ذلك خائف وجل، حتى صار على مقربة منه، وكان القط في تلك اللحظة يقرأ ورد الصبح، ويتلو حزب أول النهار.
فقال الفار بصوت منخفض: حج مبرور.
فأنصت القط، وقال في نفسه: كأني أسمع صوت فأر، فلأعرف مكانه، يا لها من فرصة يجب أن أستعد له.
غير أن الفأر طال صمته، فاستأنف القط التلاوة، فجمع الفأر قوته مرة ثانية، وقال بصوت أرفع من الأول: حج مبرور، وسعي مشكور.
فعرف القط ناحية الصوت، فهرع نحوه، فلاذ الفار بالفرار.
وصل الفأر إلى رفاقه وقد امتقع لونه وانصدعت كبده، فالتفوا حوله لينظروا ما شأنه ، فإذا به يحتضر.
قال أحدهم وهو يودعه: كيف رأيت القط، أيها الأخ المحترم، فنظر إليه نظرته الأخيرة ثم قال: تسألني عن القط، الوجه وجه حاج، والفعل فعل شيطان! «وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يعقلون.»
| طفلة الحسناء
يا طفلة الحسناء
والدرة العصماء
ما طرفك النعسان
وخدك الفتان
إلا بقايا الأم
ذات اللثات الحم •••
أشبهتها في الدل
وجفنها المعتل
وردفها الثقيل
وخصرها النحيل
فاستوصفيها الحبا
واستودعيها الربا
فقد تناهى العمر
ونال من الدهر •••
يا زهرة في العين
ونغمة في الأذن
وطفلة في المنظر
وغادة في المخبر
لا مسك الغرام
فإنه ظلام!
| مقاصد الشعراء
نريد بمقاصد الشعراء: الغايات النبيلة التي يسعون إليها في الحياة، وبعبارة أوضح: الصور الجميلة التي تتمثلها أرواحهم كلما هموا بضرب الأمثال للناس. ولست أريد في هذه الكلمة أن أنتزع صورة للشاعرية الحقة، من بين ما قرأت من شعراء العرب والفرنجة؛ فإن ذلك وإن صح أن يكون هاديا لبعض العقول، فإنه كثير في الكتب المختارة من دواوين ومجاميع، وهو - على الجملة - في مقدور كثير من عشاق الأدب والبيان.
لم يعرف الأدباء ولا العلماء - إلا قليلا منهم - معنى الشعر في القرآن، أو ما يقصد العرب من وصف النبي بأنه شاعر، أو الصورة التي تمثلوها حينما ظنوا القرآن قصيدة طويلة، وحسبوا أن النبي شاعر مطيل. ويخطئ من يظن أنهم كانوا مستهزئين بالنبي حين وصفوه بالشاعرية؛ فإن الشعر كان عندهم في منزلة فوق الإعزاز والإجلال، ولكنهم أرادوا أن يصفوه بالعبقرية، وأن يجعلوا رسالته في صف الأماني العالية التي لا يتخيلها إلا الشعراء، وأن يجعلوا لأنفسهم عذرا في التخلف إذا رأوا في الشريعة تكليفا فوق الوسع، ثم استحبوا العمى على الهدى، فما يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس.
وأريد أن أقول: إنهم يرون في الشعر شرعة خاصة يلزم باتباعها من سمت نفسه إلى إدراك ما يوحي به الشاعر المجيد، فهم يشيرون على النبي بأن يبحث عن طائفة من الناس تفهم كما يفهم، ويكون مرأى الحياة في إدراكها كمرآها في إدراكه، ويلذ لها من التكاليف العصيبة ما يلذ له.
أما هم فإنهم بفضل سلامتهم من جنون الشعراء - والنبوغ نوع من الجنون - غير مكلفين باتباع ما يبعد الشعر وأهله من أنظمة الحياة العالية، وكذلك يرون التشريع الخاص غير التشريع العام، ويرون في شريعة النبي دقة تسمو بها إلى الشرائع النظرية، وتبعدها عن الشرائع العملية، وإنهم لفي ضلال مبين.