تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولئن كان الشاعر حرا في اختيار النوع الذي يحبه من الحياة؛ فإنه غير حر أو غير مقتدى به في الدعوة إلى نوع من الحياة لا يتلاءم مع ماضي الشعب الذي ولد فيه، والوطن الذي درج منه، وهو عرضة لأن يوصف بضعف العزيمة، وخمود النفس، وركود الطبع، وأهل لأن ينكر عليه ماضيه الأغر، وسابقه المحجل، وأقل ما يجد الناقد فيه من العيوب أن شعره ليس شريعة عامة للشعب، وأنه بدلا من أن يتعالى إلى أبكار الأماني فهو يتسفل إلى ثيبات النوازع، فهو يدعو الناهضين إلى السقوط، ولا يحض الساقطين على النهوض. وهل أوجب للعتب من أن يختص شوقي بك جريدة الأخبار بتلك القصيدة التي لا تسوغ إلا لدى النفوس الضعيفة، ولا يبسم لها إلا من يئس من روح الله؟

إنه لا يصح لمثلي أن يلفت نظر شوقي بك إلى آمال المتنبي، ولا مطامع دانونزيو؛ فإنه بهما أعلم، وبفضلهما أعرف. ولكن ألا يصح أن نرسل دمعة واحدة في توديع الآداب العربية؟

لقد بلغ ضعف النفوس مبلغا لا يستهان به حتى لقد كتب «شاعر» يعرفني وأعرفه قطعة في مدح المشروع ولم يجرؤ على التصريح باسمه، ولكني عرفته بسيما شعره، وسأعاتبه بعد حين، فأين هذا المحتجب من الذي قال:

الليل والخيل والبيداء تعرفني

والسيف والرمح والقرطاس والقلم

إنكم لا تجهلون فضل المثال الأكمل في رءوس الوطنيين، كما لم يجهل العرب فضل المثل الأعلى في الشعر، الذي حسبوا القرآن نوعا منه، فهل يهديكم الله من بعد كما هداهم من قبل؟!

| في سبيل الوفاء

فتنت بشعري مرة فجمعته في كراس خاص، ثم عدت إليه في هذه الأيام فلم يرقني منه غير القليل، ومن بين ما زهدت فيه قصائد قلتها في تكريم فريق من أساتذتي في الأزهر والجامعة المصرية، ولكني رأيت من الوفاء أن أذكر مقتطفات من تلك القصائد المهجورة؛ تحية لأولئك الأساتذة الأجلاء.

قلت في تكريم الأستاذ الشيخ مصطفى القاياتي قصيدة جاء فيها:

نصيب الأعادي منك لو يعلمونه

نصيب الجزوع الظامئات من الجود

فلا تترك الآداب يابن مليكها

إلى الدهر تسقى من أراقمه الربد

وكن غوثها حتى ترف كأنما

تحس من القايات طيب صبا نجد

وقلت في تكريم الأستاذ الشيخ سيد المرصفي قصيدة جاء فيها:

بربك هل أبقيت للناس نتفة

من الفضل أم آثرت نفسك بالحسن

فإني أراهم يبتغون إلى العلا

مسالك لا تهدي اللبيب ولا تغني

هو الأزهر المعمور ضم شتاتنا

فمن تابع للسالفين ومفتن

حسبنا العلا وقفا على كل مقتد

فضعنا وضيعنا الكمال على الذهن

وقد عرف الأسلاف قيمة عقلهم

فباتوا على علم وبتنا على ظن

أعذني من أهل الخمول فإنني

أرى قربهم يدعو الشجاع إلى الجبن

ولا تنسني من فضل نصحك لحظة

فلست عن النصح الجميل بمستغن

وقلت في تكريم الأستاذ الشيخ يوسف الدجوي قصيدة جاء فيها:

إمام تقلد خير الخلال

فجود السحاب وعز القنن

وظرف الأديب ونبل الأريب

وحكم اللبيب ووعظ الزمن

ورشد ابن رشد وحزم ابن حزم

ورأي الإمام وفقه الحسن

يجمل بالرشد إما أقام

ويتبعه الرشد إما ظعن

كأن لشانيه من حلمه

دروعا تقيه عقاب الإحن

وقلت في توديع الأستاذ الشيخ محمد المهدي حين اعتزل التدريس بالجامعة المصرية قصيدة جاء فيها:

وما كانت الآداب إلا طرائفا

من الشعر أو ما يستجاد من النثر

فأبرزها المهدي عذراء غضة

تأود تحت الحلي في الحلل الخضر

مباحث لو غذي زهير ببعضها

لأضحت قوافيه أجل من السحر

ولو فقه النيل المبارك كنهها

لحول ذياك المزيج إلى خمر

ولو أذن الدهر العبوس لبعضها

لأصبحت الأيام ضاحكة الثغر

ولو عرفت مصر المفداة قدرها

لباتت لما يلقي البيان على جمر

فيا واحدا عز البيان بفضله

على طول ما لاقى البيان من الهجر

لبعدك في الأحشاء نار ذكية

تفتت من كبدي وتأكل من صدري

صبرت عليها يعلم الله راغما

على حين لا غوث يؤمل من حر

ولما رأيت الصبر ليس بنافعي

عمدت إلى همي أحمله شعري

وقد بقي شعر كثير قلته في تكريم أساتذتي والتودد إلى أصدقائي وزملائي، ولكن الحوادث لعبت به كما تلعب العواصف بالأزهار.

البدائع · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٥٠