تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولئن سبقت - ولا سبقت - ليمضين

من لا يشاكله لدى خليل

بربك هل تجد أرفق من هذا الدعاء؟ وهل ترك لك الشاعر شيئا تقوله في هذا الباب؟ إذا لا تحاول أن تضع شعرا جديدا في هذا المعنى الذي وفاه سعيد بن حميد حتى لا يقبل المزيد.

ولا أشك - أيها القارئ - في أنك رزئت مرة برجل أكول، فإن لم يكن ذلك فاعلم أنه سيكون، وأني مقدم لك قول ابن هانئ الأندلسي في هذا المخلوق:

يا ليت شعري إذا أوما إلى فمه

أحلقه لهوات أم ميادين

كأنها وخبيث الزاد يضرمها

جهنم قذفت فيها الشياطين

تبارك الله! ما أمضى أسنته

كأنما كل فك منه طاحون

أين الأسنة أم أين الصوارم أم

أين الخناجر أم أين السكاكين

كأنما الحمل المشوي في يده

ذو النون في الماء لما عضه النون

يخفض الوز من قرن إلى قدم

وللبلاعيم تطريب وتلحين

كأنما كل ركن من طبائعه

نار وفي كل عضو منه كانون

كأنما في الحشا من خمل معدته

قرنفل وجواريش وكمون

قوموا بنا فلقد ريعت خواطرنا

وجاذبتنا أعنتها البراذين

هذه نماذج من الأدب القديم، وقد قدمت لك أن من العقل أن ننتفع بما للأسلاف من الأدب الممتع الرصين، ومن الأدب ما صار ميراثا للإنسانية جمعاء، فلننتفع به كما هو ولنعفه من التغيير والتبديل، وإذا شئنا أن يكون لنا أدب جديد فليكن في موضوعات جديدة لم يتناولها الأقدمون، وإلا أضعنا ما طمحوا إليه من الخلود، وأسأنا الانتفاع بما قدموا من جهود.

رفقا بالورق والحبر والمطابع يا حملة الأقلام، لا تكونوا أبواقا للقدماء، بل كونوا شيئا يذكره التاريخ، لا خير في الكاتب إن حرم الصدق والأمانة، وليس في السارقين صادق أمين، اكتبوا بأنفسكم ولأنفسكم، فإن لم تستطيعوا ففي الأدب القديم ما يروي ظمأكم - لو تعلمون!

الطبيعة والإنسان

كل ما وجد في الإنسان، أو خلق له، أو أحاط به يبلى ويتغير ويبيد، فهو يمشي من الربيع إلى الخريف، والقوانين، والعادات، والفنون الجميلة والممالك؛ كل هذه تنتقل من الجدة إلى البلى ومن الشروق إلى الغروب، وأحيانا تخترم وهي في عنفوان الشباب!

ومع ذلك فإن الطبيعة تظل متمتعة بالثبات والخلود، على الرغم من وفرة الاستحالة والتطور والانقلاب.

معربة

| حديث القط

عزم القط، بعد أن هزم الفيران، في موقعة الصحراء، وبعد أن يئس من اغترارهم به، واقترابهم منه، أن يزور بيت الله الحرام؛ ليكفر عن سيئاته الماضية، وليمهد لحياته القابلة، بأداء فريضة الحج، فوزع المنشور الآتي على الفيران:

لما تبيناه من قبح الظلم وحسن العدل، ولما عرفناه من دمامة الرذيلة ووسامة الفضيلة؛ قد رأينا أن نؤم الديار الحجازية لأداء تلك الفريضة الإسلامية.

وإذ كنا قد أفرطنا في تعذيبكم، وأسرفنا في تقتيلكم؛ فإنا نرى من واجب التوبة ولازم الأوبة، أن نعتذر إلى جنابكم، لنسلم من دعائكم، فإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ولا يغني عن الظالم - إن لم يسمح المظلوم - رجع ولا متاب، فتفضلوا بالسماح، ليطيب الرواح، فننال الفلاح.

فلما قرءوه كانت هذه المحاورة:

الأول :

سجع جميل.

الثاني :

وفعل قبيح.

الثالث :

أفلح إن صدق.

الرابع :

لطالما ظلم.

الخامس :

عفا الله عما سلف.

السادس :

تصحبه السلامة.

السابع :

فلنودعه من بعيد؛ فإن العهد بظلمه قريب، وإننا نخشى إن واجهناه بالتوديع، أن يكون نصيبنا القتل الذريع.

الجميع :

هذا هو الرأي.

ذهب القط إلى مكة، فأقبل على الله بلسانه، وأعرض عنه بجنانه، ثم عاد بباطن متجهم، وظاهر متبلج، فانقطع إلى التبتل والعبادة والتقشف والزهاد، فدار بين الفيران هذا الحديث:

الأول :

حقا إن الحج يكفر ما قبله.

الثاني :

إلا القتل والظلم (هتاف) !

الثالث :

إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .

الرابع :

لمن يشاء! (تصفيق حاد) .

الخامس :

إنه يقيم الصلاة.

السادس :

ويؤتي الزكاة.

السابع :

البدائع · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٤٧