كثير منا عالج هذا الموقف العصيب، ثم هم بأن يحبر عنه رسالة، أو ينظم فيه قصيدة، ولكن ألا يكون من العبث أن يفعل ذلك وقد سبقه الشريف الرضي إلى الغاية القصوى في استبقاء الصديق؟
وإليك ما قال الشريف:
وكم صاحب كالرمح زاغت كعوبه
أبى بعد طول الغمز أن يتقوما
تقبلت منه ظاهرا متبلجا
وأدمج دوني باطنا متجهما
ولو أنني كشفته عن ضميره
أقمت على ما بيننا اليوم مأتما
كعضو رمت فيه الليالي بقادح
ومن حمل العضو الأليم تألما
إذا أمر الطب اللبيب بقطعه
أقول عسى أضنا به ولعلما
صبرت على إيلامه خوف نقصه
ومن لام من لا يرعوي كان ألوما
هي الكف مض تركها بعد دائها
وإن قطعت شانت ذراعا ومعصما
دع المرء مطويا على ما ذممته
ولا تنشر الداء العضال فتندما
إذا العضو لم يؤلمك إلا قطعته
على مضض لم تبق لحما ولا دما
خبرني بربك ما الذي ينقص هذه الصورة الشعرية حتى تحاول بناءها من جديد؟ وما الذي بقي في نفسك بعد هذا التفصيل حتى تتورط في الفضول؟ إذن فلتكن هذه القطعة أنشودتك حين يبدو لك ما يسوء من صديق قديم.
وبعد هذا، أتذكر أنك ظمئت إلى بعض الثغور، وأنك حين وردت عدت وأنت صديان هائم ، ثم هممت بأن تقول شعرا في هذا المعنى الجميل؟
قل الحق، فكلنا ظماء، ولكن هل وجدت أبدع من قول ابن الرومي:
أعانقه والنفس بعد مشوقة
إليه وهل بعد العناق تدان
وألثم فاه كي تزول حرارتي
فيشتد ما ألقى من الهيمان
ولم يك مقدار الذي بي من الجوى
ليرويه ما تلثم الشفتان
كأن فؤادي ليس يشفي غليله
سوى أن يرى الروحين يمتزجان
وماذا عسى أن تصنع إذا حاولت بسط هذا المعنى البديع؟ إنك لا بد مفسده إذا أقدمت على هذه المحاولة، ويجب أن تعلم أن الثوب حين يلابس الجسم لا يجمل به بعد ذلك أن يتسع ولا يحسن به أن يضيق، وكذلك الصورة الشعرية حين تلابس المعنى المراد.
وهل تذكر أنك هجرت بعض البيوت غير قال ولا صادف، ثم أقبلت على بعض البيوت غير عاشق ولا وامق، وأنك عجبت لترك حبيبك إرضاء لبغيضك، حين أقبلت على بيت عدوك وأوليت بيت حبيبك الصدود؟ وهل تجد في مثل هذا الموقف أجمل من قول الأحوص:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل
حذر العدى وبه الفؤاد موكل
أصبحت أمنحك الصدود وإنني
قسما إليك مع الصدود لأميل
فصددت عنك وما صددت لبغضة
أخشى مقالة كاشح لا يعقل
وتجنبي بيت الحبيب أوده
أرضى البغيض به حديث معضل
ولئن صددت لأنت لولا رقبتي
أهوى من اللائي أزور وأدخل
فما الذي فات الشاعر في هذا الموقف حتى تضع له غير هذه الأبيات؟ ففي البيت الأول خلاصة الحديث، وفي الأبيات التالية إيضاح وتفصيل، ولعلك لا تجد أحكم من قوله:
وتجنبي بيت الحبيب أوده
أرضى البغيض به حديث معضل
وهل تذكر أن صديقا لج في عتابك وكنت في وده من الأوفياء، وأنك أردت إقناعه بأن الحياة قصيرة، وأن الحزم كل الحزم في الانصراف عن العتب واغتنام أوقات الصفاء؟
هذا معنى فطري يجول في جميع النفوس، ولكن هل تجد فيه أجمع من قول سعيد بن حميد:
أقلل عتابك فالبقاء قليل
والدهر يعدل تارة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه
إلا بكيت عليه حين يزول
ولكل نائبة ألمت مدة
ولكل حال أقبلت تحويل
والمنتمون إلى الإخاء جماعة
إن حصلوا أفناهم التحصيل
فلئن سبقت لتبكين بحسرة
وليكثرن علي منك عويل
ولتفجعن بمخلص لك وامق
حبل الوفاء بحبله موصول
ولئن سبقت - ولا سبقت - ليمضين
من لا يشاكله لدي خليل
وليذهبن بهاء كل مودة
وليفقدن جمالها المأهول
وأراك تكلف بالعتاب وودنا
باق عليه من الوفاء دليل
ولعل أيام الحياة قصيرة
فعلام يكثر عتبنا ويطول
ألم تر إلى الشاعر وقد سد في وجه صديقه منافذ الفراق؟ ألم تر إليه وقد تحسر على أيام كان يظنها ظوالم وهو الآن يبكيها بالدمع السخين؟ فما معنى ذلك؟ أليست هذه دعوة رفيقة إلى اغتنام الصفو العتيد؟ ولا تنس خوفه من أن يموت أحد الصديقين فتكون قاصمة الظهر، وغائلة الفؤاد؟ وتأمل رفقه في قوله: