تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفمسلمون وأمة شلاء

لا ميتون ولا هم أحياء

قد أثقلوا الإسلام عن وثباته

وهم عليه معرة وبلاء

في كل دهر سقطة عرفت لهم

وبكل قطر منهم غوغاء

وإني لأتمنى أن يكثر الشعر في تذكير المسلمين بعهدهم الغابر، ومجدهم الداثر، عسى الله أن يجعل من هذه الشعوب قوة تنصر العلم والمدنية، وتحرس السلم والحرية؛ فقد كانوا في القديم سادة المشرقين وقادة المغربين، وكانوا غرة في جبين الدهر، ودرة في تاج الزمن. وإني لأرجو - إن عاد للإسلام مجده وفخاره، ورد إليه عزمه وشبابه - أن نعيد للسلم سيرته الأولى، ونلبسه ثوبه الذي لا يبلى، وعقده الذي لا ينحل.

وأول هذا الأمر نحن أساته

وآخره حتى يعود كما بدا

12

وفي الأحباب مختص بوجد

وآخر يدعي معه اشتراكا

إذا اشتبكت دموع في خدود

تبين من بكى ممن تباكى

كل الناس يدعون الحب، وقل منهم من يعرفه، وإنما مثلهم كمثل ذلك الذي نزل ضيفا عند «جميل» فجعل يأكل ويبث وجدا به حتى أتى على الزاد كله، فقال جميل وهو يتهكم بصبابته ويهزأ من غرامه:

وأعجبني من جعفر أن جعفرا

يلح على قرصي ويبكي على جمل

فلو كنت عذري العلاقة لم تكن

بطينا وأنساك الهوى كثرة الأكل

فمن ذا الذي عرف الصبابة، أو قدر الهوى حق قدره؟

أليس كل ما لدينا من ذلك تلك الطرف القليلة، التي نتناقلها جيلا بعد جيل عن أولئك الشهداء الذين قضوا نحبهم في الحب، ثم مات الهوى من بعدهم كأن لم يكن شيئا مذكورا؟

أما - والله - إني لأعيذك أيها القارئ أن تحسب تلك الأسفار العديدة التي ملئت بالنسيب، ثروة للأدب والشعر؛ فإنما هي صدى أولئك الشعراء الذين وفوا لربهم، فأنعموا النظر في تعرف الجمال، وتفهم الصبابة، ويا بعد ما بين المحكي والحاكي.

كان الحارث بن خالد المخزومي من أحسن الناس تشبيبا، ويزعمون - مع ذلك - أنه كان يقول النسيب تظرفا ولا يعتقده، وكان أكثر شعره في عائشة بنت طلحة، فلما قتل عنها مصعب بن الزبير، قيل له: لو خطبتها، فقال: إني لأكره أن يتوهم الناس أني كنت معتقدا لما أقوله فيها.

فيا عجبا، أحسب ذلك الرجل أن من الشرف أن يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وأن من الضعة أن يكون قلبه مرشدا للسانه؟!

لقد اعتاد الشعراء - من عهد بعيد - أن يبدءوا قصائد المديح بالنسيب، فكثر لذلك المتعشقون، وتعدد المتظرفون.

إذا كان مدح، فالنسيب المقدم

أكل فتى قد قال شعرا متيم!

ولا أنكر أن يكون لكل شاعر صبوة، ولكني أعرف - مع ذلك - أن ليس الهوى في كل حين بلذاع، فخير للشاعر أن يكون وفق قلبه، ينسب إن اشتاق للنسيب، ويفتتح قصائده بما قيلت له، إن خبت نار وجده، أو دب السلو في هواه.

قالت سكينة بنت الحسين لعروة بن أذينة - وكان من الزاهدين: أأنت الذي تزعم أنك غير عاشق، وأنت تقول:

قالت، وأبثثتها وجدي فبحت به

قد كنت عندي تحب الستر فاستتر

ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها

غطى هواك وما ألقى على بصري

والله ما خرج هذا من قلب سليم قط!

ولو أن سكينة سمعت قوله:

إذا وجدت أوار الحب في كبدي

ذهبت نحو سقاء الماء أبترد

هبني بردت ببرد الماء ظاهره

فمن لنار على الأحشاء تتقد

لرحمته في وجده، ورثت له في هواه.

وهنا ألفت نظر القارئ إلى خطأ كتاب التراجم، فيما يزعمون من عشق الفرزدق وخلو جرير، في حين أن جريرا كان حلو النسيب، وكان الفرزدق فاتر التشبيب، فيا قوم:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما

جعل اللسان على الفؤاد دليلا

فكيف تزعمون أن جريرا لم يعشق وهو القائل:

ما للمنازل لا تجيب حزينا

أصممن أم قدم البلى فبلينا

لا، بل بلين فهجن داء ساكنا

لمتيم وأثرن منه دفينا

راحوا العشية روحة مذكورة

إن متن متنا. أو حيين، حيينا

إن الذين غدوا بلبك غادروا

وشلا بعينك ما يزال معينا

غيضن من عبراتهن وقلن لي

ماذا لقيت من الهوى ولقينا

وكان يقول: والله لولا ما شغلت به من هذه الكلاب لشببت تشبيبا تحن منه العجوز إلى شبابها والجمال إلى أعطانها!

البدائع · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٤٢