تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أم كيف تزعمون أن أبا العتاهية كان يقول النسيب تظرفا لا عن عشق وهو القائل في بعض قصائده:

يا من تفرد بالجمال فما ترى

عيني على أحد سواه جمالا

أكثرت في قولي عليك من الرقى

وضربت في شعري لك الأمثالا

فأبيت إلا جفوة وقطيعة

وأبيت إلا نشوة ودلالا

بالله قولي إن سألتك واصدقي

أوجدت قتلي في الكتاب حلالا

أم لا ففيم جفوتني وظلمتني

وجعلتني للعالمين نكالا؟

كم لائم لو كنت أسمع عذله

قد لامني ونهى وعد وقالا

ولعلكم فتنتم بما يذكر من براءته من الحب وإبائه النسيب لما أمره بذلك الرشيد، ولعمري لقد كان من أصدق الناس حبا، وأمتنهم صبابة، ثم عاد أنصفهم لنفسه وللأدب، فإن الرجل كان كبر، حينما أشار عليه الرشيد بالنسيب، والكبر يودي بالحب، ويذهب بالصبابة.

وكان المهدي قد ضربه مائة سوط لقوله:

ألا إن ظبيا للخليفة صادني

وما لي على ظبي الخليفة من عدوى

وقال: أبي يتمرس، ولحرمي يتعرض، وبنسائي يعبث؟ ونفاه إلى الكوفة.

ثم تلطف أبو العتاهة حتى اتصل بالرشيد في خلافة أبيه، وتمكن من قلبه، وبلغ المهدي خبره فأحضره وأنبه على ما قال من النسيب بعد نهيه عنه، فيا لله من ظلم العواطف.

ثم قال له: إن شئت أدبناك بضرب وجيع، لإقدامك على ما نهيت عنه وأعطيناك ثلاثين ألف درهم، جائزة على مدحك لنا، وإن شئت عفونا عنك فقط.

فقال: بل يضيف أمير المؤمنين إلى كريم عفوه جميل معروفه، ومكرمتان أكثر من واحدة، وأمير المؤمنين أولى من شفع نعمه، وأتم كرمه، فأمر له بثلاثين ألف درهم وعفا عنه.

ولما قدم الرشيد الرقة، أظهر أبو العتاهية الزهد والتصوف، وترك الغزل، فأمره الرشيد أن يتغزل، فأبى، فأمر بحبسه، ثم نمى إليه بعد أيام أنه سمعه يتغنى بقوله:

خليلي ما لي لا تزال مضرتي

تكون على الأقدار حتما من الحتم

كفاك بحق الله ما قد ظلمتني

فهذا مقام المستجير من الظلم

ألا في سبيل الله جسمي وقوتي

ألا مسعد حتى أنوح على جسمي

فأمر بإحضاره وقال: بالأمس ينهاك أمير المؤمنين المهدي عن الغزل فتأبى إلا لجاجا ومحكا، واليوم آمرك به فتأبى جرءة وإقداما.

فقال: يا أمير المؤمنين إن الحسنات يذهبن السيئات.

كنت أقول الغزل ولي شباب وجدة، وبي حراك وقوة، وأنا اليوم شيخ ضعيف لا يحسن بمثلي التصابي.

مرحى، مرحى يا أبا العتاهية، إنك - والله - لحازم ندب، عصيت الخليفة وأطعت الأدب، والأدب خير من الامتثال.

خرجت على الرشيد، فلم تقل بلسانك ما ليس في قلبك، ولم يستطع الشعراء أن يخرجوا على تلك العادة القديمة، من استهلاك المديح بالنسيب، فكان ما نراه من القول الذي لا لب له، والشعر الذي لا روح فيه، ولو أنهم أطاعوا ضمائرهم عند حرارة الصبابة، فقالوا في ذلك ما شاءت لهم المشاعر والأهواء، ثم سكتوا عند خمودها؛ لكانوا في الأولى صادقين، وفي الثانية منصفين.

| في عالم السياسة

إلى الدكتور ولسن

إن الهدايا التي راعتك قد ضمنت

ذهاب عقلك لما غرك الذهب

سيقت إليك فلم يحرج بها شرف

يذود عنك ولا دين ولا حسب

عهدي بقومك لا يرضون عن رجل

أجل ما يبتغيه المال والنشب

فالق العقاب على ما نلت من تحف

تشكو الجمارك بلواها وتنتحب

إلى حضرة المحترم الدكتور ولسن

لعمري لئن أمسيت بالسقم ساهرا

تخال الفراش الغض من وهج الجمر

فقد أسهرت يمناك بالأمس أمة

رأت غبنها فيما قضيت من الأمر

فمت غير محمود وإن شئت فلتعش

حليف الضنى بين المهانة والثبر

| الحديث ذو شجون

جاءني كتاب خاص بتوقيع «علي الشايب» يذكر كاتبه أنه يخاطبني لأول مرة، ويرجوني أن لا أرد على الآنسة منيرة، ويود لو قصرت جهودي على بسط «مدامع العشاق» التي تنشر منها جريدة «الصباح» رسائل وجيزة لا تشفي الغليل، وقد بلغ من أدب الكاتب أن ترك لي الحرية في العمل بنصيحة أسداها إلي طوعا؛ لصداقة روحية قديمة العهد بالوجود. وبالأمس لقيني صديقي «عبد المجيد عيسى البيه» وأخبرني أنه طرب للمعركة التي قامت بيني وبين الآنسة منيرة على قدم وساق.

البدائع · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٤٣