قد يكون الشعر الباهر، كالسيف القاهر، وقد تكون القصائد البارعة كالقنابل الرادعة، وقد يتهيب جانب الشاعر، فوق ما يتهيب جانب الفارس، فيكون من كل هذا عذر لإخواننا الشعراء ورفقائنا الأدباء، ويكون سكوتهم من الجبن أبعد، وإلى الحزم أقرب.
ولكن ألا يجب يا صديقي السيد حسن أن يكون لعصرنا من طريف الاستعارات، وحديث المجازات، ما يرفع ذكرنا في الأواخر، ويلحقنا بالأوائل ممن لبسوا لكل حالة لبوسها فصرحوا تارة، ولمحوا أخرى ، ونالوا بالمثل الخرافي، ما لم ينالوا بالشعر الحماسي، أفكانوا بقومهم ناهضين، لأعدائهم قاتلين؟
فهبني اعتذرت عما نسبت إليهم من الجبن، ورجعت عما وصفتهم به من الخوف، أتراني لا أنعتهم بضيق الحيلة، وضعف الوسيلة، وأنهم لا يعرفون من القول إلا أظهره، ومن الشعر إلا أشهره، وأن مقاتلهم بادية، ومطاعنهم ظاهرة، حتى لا سلامة لحياتهم، إلا بسكوتهم، ولا داعي لحتفهم، غير نطقهم.
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت
فدل عليها صوتها حية النهر
لعلك يا صديقي تذكر ما فعل الأعرابي الأسير، ولعلك تذكر ما أرسل الرجل مع عبديه، إلى طفلتيه، وما قال القبعثري للحجاج، وما أجاب به عبد المسيح خالد بن الوليد، ثم لعلك ولعلك ...
أتريد يا صديقي أن لا تكون لنا شخصية معروفة، وأن لا يعثر القارئ في الآداب العربية على طرفة أبدعناها، أو بدعة أحدثناها، كأن القول لا يخرج من التصريح، إلى التلميح، وكأن الزمن لم يلجئنا إلى الإشارة بعد العبارة، أو كأننا لا نعرف مقامات الكلام، ومقتضيات الخصام.
لك يا صديقي أن تعتذر عن إخوانك، وعلي أن أشكر لك هذه الغيرة، ولكن حذار أن تظن أنا عملنا كل ما يمكن، وفعلنا كل ما يستطاع.
ولقد عجبت من قولك: «إن لك بيانا ولسانا، فإن قلت قلنا، وإن سكت سكتنا»، كأنك تحسبني ألومكم ولا ألوم نفسي.
ألا فلتعلم وليعلم إخوانك، أن التبعة واقعة علي وعليكم، وأننا جميعا في جنب الوطن مفرطون، ولمجد النيل ناسون.
ما أنصفتك جفوني وهي دامية
ولا وفى لك قلبي وهو يحترق
10
جن الظلام فما يزاح
يا ويلنا! أين الصباح
ليل كأن نجومه
يطلعن في كبدي جراح
يا من أتاح لي الأسى
برد الفؤاد متى يتاح؟
قلب أساه لاعج
لولا تحجبه لفاح
ما بال دمي يستبا
ح وحاجتي ليست تباح؟
ويلي على غيد المنى
يحرجن في صدر براح
لهفي على الحق الصرا
ح يغوله ظلم صراح
حق أضيع مشهرا
أبصرت صبحا حين لاح
كم موعد مثل الطلا
ء يزين وجنات القباح
لا تخدعن فما حدي
ث القاسطين سوى مزاح
شيم البغايا منطق
حلو إلى وجه وقاح
عهد السياسة كاذب
لله درك يا سجاح
يا رحمة للشرق ما
يلقى من الداء المتاح
زأر ابن غيل فانثنى
رقصا لنغمته وصاح
لذوي العدالة شرعة
تقضي بعسف واجتياح
الحق في حد السيو
ف وعند أطراف الرماح
كتمت شريعة «مدفع»
خان «الرصاص» بها فباح
اهتف بحقك عاديا
وعلى عزيمتك النجاح
دون الحقوق ونيلها
أن يلتقي كبشا نطاح
وهنا لسائل حقه
الحق شيء يستباح
قد كان ركن مرة
للعدل مرفوعا فطاح
لي عند أهلي دعوة
إن المحب له اقتراح
يا أهل دعوة مشفق
لم يأل عن طلب الصلاح
للمجد عند سراتكم
طول اجتناب واطراح
حسب السري مقامه
ما بين غانية وراح
الثغر يبسم عن ندى
للثغر يبسم عن أقاح
غيد ملاح هجننا
ما لي وللغيد الملاح؟
كم سوأة حين اغتدى
نيطت به أو حين راح
مال مباح كله
يشقى به عرض مباح
أين الملاجئ تبتنى
غرا كمعليها فساح؟
من لليتيم كأنه
من ضعفه غصن يراح
أودى أبوه وأمه
فبكاهما دهرا وناح
شلو تناهبه الضنى
فكأنه نهب يباح
إن ذل تحت همومه
فبما يرى وله جماح
لم يجترح إثما فع
د وجوده منه اجتراح
يا ليت كل معذب
يودى إذا كان استراح
تقذى بمرآه العيو
ن فما تراه سوى التماح
كم مترف غصت به
عيناه أعرض أو أشاح
لا شيء من حاجاته
يقضى سوى الماء القراح
يعيى برد جوابه
فتجيب أدمعه الفصاح
متساقط من هزله
طير يهاض له جناح
دار البلاد، دواوه