تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وا حر قلباه!

8

عاتبنا الأستاذ زكي مبارك على نبوة كانت منه إلى الشعراء، وهنات اعتمدهم بها في مقاله «دواعي الشعر»، وأخذناه بأن ينزل على حكم الحق من بذل المعذرة، وإعطاء النصف من نفسه، فأعتبنا في الأفكار بكلمة جافية حديدة كأنها الكأس الأولى، لولا ما يلطفها به من مزاج التودد والازدلاف إلى ناحية من المرضاة، فسامحنا فيما أوحش منها لما آنس، واغتفرنا ما أحفظ لما أرضى، فكانت كأسا شربناها على قذاتها، وعتبى صديق تقبلناها على علاتها، فلم نكد نقول: آها منه، حتى قلنا: واها له!

ومن لك يوما بأخيك كله؟

لاذ الأستاذ منا بالوطن، فذكر بحقوقه، وأرى من نفسه - بحق - أن غضبته للوطن كانت، ومحاماته ونضحه إنما كانا حمية له، وأنه زرى على الشعراء لتفريطهم في جانبه، ونومهم عنه فيما يقول: مهلا قليلا أيها المذكر بالوطن وحقه، فما ذكرت ناسيا، ولا نبهت غافلا، إن بنا من الوجد على ذلك الوطن والحدب عليه، مثل ما بك غلة تحرق، وجوى يؤرق.

وتلك طريق لست فيها بأوحد.

ذلك حق كله، ولكنك تعلم أننا قد غشيتنا غاشية، ودهمتنا حال تركت إفصاحنا في التوجع، وبياننا في التفجع، كبيان الطير تهفو إلى وطن وحنين الإبل تغدو إلى عطن.

شجو حزين، ومنطق لا يبين.

بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له

ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب

شاهدي على ذلك مقالك أنت، ألست القائل آنفا؟ «ولكن ما العمل والدهر عابس، والوقت عصيب.»

على أن أحدنا لا يزال يرفع صوته في الفينة بعد الفينة، بالكلمة كأنها دمعة يتيم، وعبرة مجهور، ينطق بها لحنا، ويرسلها في حذار ورقبة، ثم يجس على أثرها رأسه، هل طار عن جسده؟

أترى نعيش إلى انطلاق الألسن؟

ما بالك أيها الأستاذ تشركنا في العمل وتفردنا بالتعجب، كما يقولون.

وتلك شكاة ظاهر عنك عارها.

إن لك بيانا ولسانا، فأين الذي لهما من أثر في هذه الآونة؟ إن قلت قلنا، وإن سكت سكتنا، وليس بنا أن نجحد فضلك.

لقد هجت عجبا وأحدثت طربا حيث تقول: «فمن كان أكثر الناس إشادة بذكر الحرية، وتغنيا بالاستقلال، فهو شاعرنا المفلق، وكاتبنا المبدع، وإن كان شعره منحل العقد ونثره مختل البناء.»

إن للغربان والضفادع أوطانا، وفي الحق أن يذود كل ذي وطن عن وطنه، بيد أنه ليس بحسن ولا جميل نعيب الغربان ونقيق الضفادع! أكل صائحة تطربك أيها الأستاذ؟ رويدا لا يسمعك الأدعياء والمتشاعرون، فتملأها علينا نعيبا ونقيقا، لا والله لا يحسن الذياد عن الوطن ولا النضح عنه حتى يكون قولا عليه مسحة السحر، وله أخذ كأخذ النفث في العقد ينزل على حكمه العصي ويصحب الجموح، أين أنت من البلابل المغردة والطيور الساجعة، أمثال كتاب الأفكار ولا أمثال لهم؟!

عد عن ذا - كما يقول الشعراء - وتعال إلى حديث بشاشة وإحسان، بعد حديث عتب وإعتاب، لقد علمت أن جريدة الأفكار أندى الجرائد صوتا بالحق، وأرحبها صدرا للحرية، فبعثت إليها بكلمة طريفة في سبيل الوطن، وأكبر ظني أن رئيس تحريرها النبيل متفضل بنشرها، فإن نشرت فلن تفتري - إن كنت من الممترين - في أن الشعراء يفون لوطنهم بعض الوفاء وأن لهم قلوبا ترعى كرامة الوطن، وكرامة الأدب، ولعلك تقول مكان «وا حر قلباه!»: «وا طرباه!» والسلام.

حسن القاياتي

9

لقد سبقت كلمتنا في إعتاب السيد حسن القاياتي، وكنا حسبناه أكبر ما شرحناه، إجلالا للوطنية، وأحمد ما كتبناه، إعظاما للحرية فإذا به يدأب في العتب، ويصر على المحاسبة، كأن ليس لنا عنده من عذر، وكأن الشعراء ليسوا بخاطئين.

أراد السيد حسن أن يعتذر عن إخوانه الشعراء، وأن يغسل عنهم عار الكسل والخمول، فذكر من عنت الدهر، وريب الزمن، ما ظنه شافعا في سكوتهم، مبررا لجمودهم، كأن في ضم الفكرة إلى مثلها، ووضع البيت بجانب البيت، شيئا من التجمهر يأباه القانون، ونوعا من المظاهرة تحاربه السلطة، وكأن القصيدة ذات القوافي الكثيرة، والفكر العديدة شبيهة بالعصبة تجتمع في طريق واحد، لغرض واحد، وكأن الشاعر الشاكي الخيال شبيه بالثائر الشاكي السلاح.

البدائع · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٣٩