تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك كان الشعراء يأخذون طرائق التفكير من الأحزاب ومسالك التعبير عن النقاد، ولم يكونوا في أنفسهم شيئا مذكورا.

ثم كان ما كان من الحوادث التي شتتت شمل الجميع، فخفت كثير من أصوات أهل النقد والسياسة وعاد الشعراء إلى السكون.

إلا أننا في حاجة إلى شعراء ينظرون بعيونهم، ويسمعون بآذانهم ويفقهون بقلوبهم، فهل نحن واجدون؟

6

قرأنا «دواعي الشعر» فإذا بصاحبها الأستاذ زكي مبارك قد نال من شعراء العصر شديدا، وطأطأ من كرامتهم ما شاء، حتى كاد يبتعث الحفائظ ويوغر القلوب، فقد جاء فيها عن الشعراء حيث يهتف بهم قوله: «قاتلكم الله! تضحكون في موضع البكاء، وتفرحون في موقف الحزن، ولو كانت لكم ضمائر شاعرة، وبصائر ناظرة لبكيتم مع الباكين، ونحتم مع النائحين، فقد ذلت هذه الآثار بذلكم، وضعفت بضعفكم.»

وجاء في موضع ثان منها قوله: «لقد كثر شعراء مصر، وتوفروا على معنى واحد، كما تكثر الأشجار في بقعة واحدة فيأكل بعضها بعضا، ثم لا تزهر ولا تثمر»، وقال في غير هذين الموضوعين: «أهؤلاء الجبناء»، وجاء في محل ثان قوله: «لقد مات منهم من مات، واغترب من اغترب، وبقي جماعة يقلون عند الفزع ويكثرون عند الطمع.»

لشد ما نال الأستاذ من الشعراء، وغلا في الازدراء بهم، على أن هذا ليس من النقد في شيء.

إنا لنطالب الأستاذ - جد المطالبة - ونأخذه أخذا شديدا بأن يخرج بالمعذرة من تلك البادرة، وذلك أكبر الظن بأدبه، والعهد به، والسلام.

حسن القاياتي

7

قرأت ما كتبه الأستاذ السيد حسن القاياتي عن «دواعي الشعر»، فحمدت له غيرته على إخوانه الشعراء، ورفقائه الأدباء، وسرني أن كان أول الذائدين عن حياضهم، والرافعين للوائهم، فكان كما قال الشاعر:

لو كان في الألف منا واحد فدعوا

من فارس؟ خالهم إياه يعنونا

ثم عجبت وحق لي أن أعجب، من رغبته في أن أعتذر وهل أذنبت يا صاح؟

ألزمتني الذنب الذي جئته

صدقت! فاصفح أيها المذنب

لا تنس يا صديقي أن كرامة الوطن، فوق كرامة الأدب، وأن الشعر وسيلة لا غاية، وأننا جميعا نسعى إلى غرض واحد، هو تحرير البلاد.

فمن كان أكثر الناس إشادة بذكر الحرية وتغنيا بالاستقلال فهو شاعرنا المفلق، وكاتبنا المبدع، وإن كان شعره منحل العقد، ونثره مختل البناء.

أنت شاعر، ولكن في أي عصر؟ في العصر الذي قلت فيه:

كأن وساما يعتلي صدر جاهل

جني من الريحان يحمله قبر

وحافظ شاعر، ولكن في أي زمن؟ في الزمن الذي قال فيه:

لقد كان فينا الظلم فوضى فهذبت

حواشيه حتى بات ظلما منظما

كنتم شعراء يوم كانت قصائدكم تهيم في كل واد ومعانيكم تدب في كل قلب، ويوم كان الطلاب في مدارسهم والعمال في مصانعهم يشيدون بذكركم النابه، ويتغنون بشعركم الجميل.

فأما اليوم وقد جنحتم إلى السكون وركنتم إلى الهدوء، وهجعت منكم تلك البراكين الثائرة، وتواردت تلك الشموس الباهرة، وأخليتم الميدان لكل مجر بالخلاء ومستأسد بالعراء، ثم طويتم اللواء وفررتم من الهيجاء؛ فإنا ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا، وكما تركتم الأدعياء يصدعون الرءوس ويزهقون النفوس، يغتصبون الشهرة اغتصابا ويستلبون المجد استلابا، كأن ليست للنقد عين ساهرة وكأنكم لا تسمعون.

نامت نواطير مصر عن ثعالبها

فقد بشمن وما تفنى العناقيد

يجب أن تعتذر أنت يا صديقي وأن يستغفر إخوانك؛ فقد فرطتم في جنب الوطن ونسيتم حق البلاد.

أين الشعراء؟ أين الأدباء؟ إني والله ...

أودهم ودا إذا خامر الحشا

أضاء على الأضلاع والليل دامس

ولكن ما العمل؟ والدهر عابس والوقت عصيب، ويكاد المرء ينسى أباه إن خذله ويهجر أخاه إن خلاه، فهل بقي في قوس الصبر منزع، أو عادت للرجاء بقية، وهذا البلاء يتطاير من كل جانب والأمل ينهار في كل واد؟!

يا صديقي إن شموخ الأهرام وجلال النيل وجمال مصر، وما إلى ذلك من المعاني التي أوحت إليك وإلى إخوانك الشعر؛ تتطلع إليكم بعين كلها أمل وقلب ملؤه الرجاء، فهل فيكم اليوم من مستعد أو هل لديكم من معين؟

البدائع · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٣٨